شكوك حول مستقبل الناتو في مواجهة عاصفة ترامب

الرئيس نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يمر الناتو، الذي أُسس عام 1949 كحصن دفاعي ضد التهديدات السوفيتية، بأزمة وجودية غير مسبوقة منذ انتهاء الحرب الباردة. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية في يناير 2025، بعد فوزه في الانتخابات الأخيرة، أعادت إشعال الشكوك حول استمرارية هذا التحالف في ظل توجهاته الانعزالية وهجومه المستمر على دوره. هذه التحديات التي يفرضها ترامب ليست وليدة اليوم، فقد شهدت فترة حكمه الأولى (2017-2021) تصدعات في العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، لكنها الآن تأتي وسط عالم مضطرب تشكله الحرب في أوكرانيا وتفاقم التوترات مع روسيا والصين، مما يجعل تأثيرها أكثر عمقًا وخطورة، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.

ترامب والناتو: توتر مستمر

لم يُخفِ ترامب يومًا استياءه مما يعتبره "مسؤولية غير متكافئة" تقع على عاتق الولايات المتحدة في دعم الناتو. في حملته الانتخابية الأولى عام 2016، وصف التحالف بأنه "تجاوزه الزمن"، وتوعد بالانسحاب منه ما لم ترفع الدول الأعضاء إنفاقها العسكري إلى 2% من ناتجها الاقتصادي. خلال ولايته الأولى، مارس ضغوطًا كبيرة على الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا، متهمًا إياها بالتكاسل والاعتماد المفرط على الحماية الأمريكية. نجحت هذه الضغوط في دفع بعض الأعضاء لزيادة ميزانياتهم الدفاعية، لكنها خلقت أيضًا شرخًا في الثقة بين ضفتي الأطلسي.

مع توليه السلطة مجددًا في 2025، يبدو ترامب عازمًا على تصعيد موقفه. في كلمة ألقاها في فبراير 2025 بولاية فلوريدا، أعلن: "لن نضحي بأرواح جنودنا وأموال مواطنينا لحماية دول لا تفي بوعودها". هذا التصريح أثار ذعرًا في الأوساط الأوروبية، حيث يرى قادة مثل المستشار الألماني أولاف شولتز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن أي انسحاب أمريكي قد يعرض أمن القارة للخطر، خاصة مع استمرار الصراع في أوكرانيا الذي يعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي عبر الناتو.

أوكرانيا: اختبار التماسك
تشكل الحرب الروسية الأوكرانية، التي اندلعت في فبراير 2022، التحدي الأبرز للناتو في العقود الأخيرة. تمكن التحالف من توحيد جهوده لدعم كييف بالسلاح والمساعدات، وفرض عقوبات قاسية على روسيا. لكن هذا الدور كان مرهونًا بالقيادة الأمريكية، سواء في التمويل أو التنسيق اللوجستي. مع عودة ترامب، تتزايد المخاوف من أنه قد يسعى لتقليص هذا الدعم أو التفاوض مباشرة مع فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب بسرعة، مما قد يترك الأوروبيين وحدهم في مواجهة التهديد الروسي.

ترامب، الذي أبدى إعجابه ببوتين في مناسبات سابقة، أشار مؤخرًا إلى أنه قادر على "حل النزاع في أوكرانيا خلال 24 ساعة" إذا أُتيحت له الفرصة. هذا التصور يثير قلق الشركاء الأوروبيين، الذين يخشون أن يتم التوصل إلى تسوية على حساب أوكرانيا واستقرارهم الأمني. إذا ما نفذ ترامب هذا السيناريو، قد يضطر الناتو إلى إعادة تشكيل هيكليته، مع احتمال أن تتولى دول مثل فرنسا وألمانيا مسؤوليات أكبر، وهو أمر يواجه عقبات سياسية واقتصادية جمة.

أوروبا تسعى للاستقلال الدفاعي
أمام هذه الشكوك، بدأت الدول الأوروبية في البحث عن سبل لتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة. في مارس 2025، التقى وزراء خارجية الناتو في بروكسل لمناقشة مستقبل التحالف، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تسريع إنشاء "قوة دفاع أوروبية" موحدة قادرة على مواجهة التحديات دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. هذه الرؤية، التي طرحها ماكرون منذ سنوات، كانت تلقى معارضة من دول شرق أوروبا مثل بولندا والدول البلطيقية، التي تعتبر الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لأمنها ضد روسيا. لكن مع تصريحات ترامب الأخيرة، بدأت هذه الدول تعيد النظر في مواقفها.

لكن التحول نحو الاستقلالية يصطدم بمعوقات داخلية. الاقتصادات الأوروبية، المتضررة من تداعيات جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، تعاني من ضغوط مالية تجعل زيادة الإنفاق العسكري أمرًا شاقًا. ألمانيا، التي تعهدت في 2022 باستثمار 100 مليار يورو في تطوير جيشها، تواجه الآن تحديات قد تجبرها على التراجع عن هذه الخطط. كذلك، فإن الانقسامات بين الدول الغربية مثل فرنسا وألمانيا والدول الشرقية مثل المجر وبولندا تعرقل أي جهود لتوحيد السياسة الدفاعية.

الصين: تهديد متزايد
بينما يركز الناتو حاليًا على روسيا، تبرز الصين كعامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد. في قمة الناتو في يونيو 2024، تم تصنيف الصين كـ"تحدٍ منهجي" بسبب تعزيز قدراتها العسكرية وتقاربها مع روسيا. لكن ترامب، الذي يفضل مواجهة الصين اقتصاديًا بدلًا من عسكريًا، قد يدفع الناتو لتقليص اهتمامه بهذا التهديد، مما يترك الأوروبيين في مواجهة تحدٍ جديد دون مساندة أمريكية كافية.

هذا الوضع يضع الناتو أمام خيار صعب: التكيف مع رؤية ترامب التي تعطي الأولوية للمصالح الأمريكية، أو إعادة صياغة دوره في عالم متعدد الأقطاب. نجاح أي من الخيارين يعتمد على قدرة الأوروبيين على تجاوز خلافاتهم وتقديم رؤية موحدة.

مسارات المستقبل
تتعدد الاحتمالات التي قد يواجهها الناتو في ظل ضغوط ترامب. الاحتمال الأول هو استمرار التحالف بشكله الحالي مع تقديم تنازلات مالية من الأوروبيين لاسترضاء ترامب، مما قد يحافظ على الوحدة لكنه يهز الثقة المتبادلة. الاحتمال الثاني يتمثل في تدهور تدريجي للناتو، حيث تقلص الولايات المتحدة التزاماتها، مما يدفع أوروبا لتشكيل كيان دفاعي مستقل. أما الاحتمال الثالث، وهو الأقل ترجيحًا، فهو إصلاح داخلي للناتو بقيادة أوروبية أقوى مدعومة بدور أمريكي محدود.

كل مسار يحمل مخاطر خاصة. ففي حال التفكك، قد تصبح دول مثل بولندا وليتوانيا أكثر عرضة للضغط الروسي. وفي حال السعي للاستقلال الأوروبي، قد تستغرق عملية بناء قدرات مشتركة سنوات، مما يخلق فجوة أمنية مؤقتة.

يجد الناتو نفسه اليوم أمام مفترق طرق مع عودة دونالد ترامب إلى الحكم. التحديات التي يفرضها ليست مجرد تهديد عابر، بل اختبار لقدرة التحالف على البقاء في عالم متغير، حيث تتراجع القوة الأمريكية وتتزايد التهديدات من روسيا والصين. الأوروبيون، الذين اعتمدوا طويلًا على الدعم الأمريكي، يواجهون ضرورة إعادة تقييم أمنهم الجماعي، فيما يبقى مصير الناتو معلقًا بين تماسك هش وانقسام محتمل. السؤال ليس فقط عما إذا كان الناتو سيصمد، بل كيف سيتأقلم مع هذا الواقع الجديد المليء بالغموض.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق