تُعد العلاقات بين إسرائيل ومصر ركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط منذ توقيع معاهدة السلام في كامب ديفيد عام 1979، لكن هذه العلاقات لم تخلُ من التحديات على مر السنين. في الآونة الأخيرة، أثارت فضيحة "قطرجيت" تساؤلات حول دور قطر في تعقيد هذه العلاقات، وهو ما تناوله تحليل نشرته صحيفة "جيروزالم بوست" بعنوان "مصر تشك في أن قطر تغذي التوترات مع إسرائيل عبر فضيحة ’قطرجيت’". يركز هذا المقال على فحص هذه القضية في ضوء التقرير، مع تحليل الادعاءات والتداعيات المحتملة على الديناميكيات الإقليمية.
خلفية فضيحة "قطرجيت"
في الأسابيع الأخيرة، كشفت تحقيقات إسرائيلية عن مزاعم مثيرة تشير إلى أن قطر دفعت مبالغ مالية لمساعدين مقربين من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهدف تعزيز صورتها كوسيط رئيسي في المنطقة، مع تقليص دور القاهرة في مفاوضات الرهائن بين إسرائيل وحماس.
وفقًا لتقرير "جيروزالم بوست"، فإن هذه الادعاءات تستند إلى وثائق محكمة وشهادات تشير إلى أن مساعدين إسرائيليين تلقوا رشاوى لنشر رسائل إعلامية سلبية عن مصر، بهدف تقويض دورها كوسيط تقليدي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
بدورها، نفت قطر هذه الاتهامات بشدة في بيان رسمي يوم الخميس 3 أبريل 2025، واصفة إياها بأنها "ادعاءات لا أساس لها من الصحة" تهدف إلى تشويه سمعتها. ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن القاهرة ترى في هذه التطورات تهديدًا مباشرًا لموقعها الاستراتيجي، خاصة أنها تعتبر قطر داعمة لجماعات إسلامية مثل الإخوان المسلمين وحماس، وهي جماعات تعاديها القاهرة بشدة.
الدور القطري في غزة: نقطة خلاف
ويلقي تقرير "جيروزالم بوست" الضوء على الدور القطري في قطاع غزة كعامل رئيسي في هذا السياق. منذ سنوات، قدمت قطر مساعدات مالية كبيرة لغزة، بما في ذلك ملايين الدولارات التي تُدفع شهريًا بالتنسيق مع إسرائيل لدعم احتياجات القطاع الأساسية. هذا الدور جعل قطر لاعبًا لا غنى عنه في المفاوضات بين إسرائيل وحماس، خاصة في قضية الرهائن. لكن التقرير يشير إلى أن هذا الدعم قد أثار استياء القاهرة، التي تتحكم في معبر رفح وترى نفسها الوسيط التاريخي في هذا الصراع.
وفقًا لمصادر مصرية نقلتها الصحيفة، فإن القاهرة تشك في أن قطر تسعى لاستغلال هذا النفوذ لتعزيز مكانتها على حسابها. على سبيل المثال، أشارت التقارير إلى أن قطر حاولت في بعض الأحيان تجاوز التنسيق مع مصر من خلال التعامل المباشر مع إسرائيل، كما حدث في عام 2015 عندما طلبت الدوحة إدخال مواد بناء إلى غزة عبر إسرائيل بعد رفض القاهرة مرور وفدها عبر معبر رفح.
وجهة نظر "جيروزالم بوست": القاهرة تحت الضغط
يحلل التقرير مخاوف القاهرة من أن تكون فضيحة "قطرجيت" جزءًا من استراتيجية قطرية أوسع لتقويض دورها الإقليمي. يرى المحللون في الصحيفة أن مصر، التي تعاني بالفعل من تحديات اقتصادية وأمنية داخلية، تشعر بالتهديد من تنامي النفوذ القطري في غزة، خاصة في ظل العلاقات المتوترة بين القاهرة والدوحة منذ الحصار الرباعي في 2017. كما يشير التقرير إلى أن القاهرة تعتقد أن قطر تستفيد من دعمها لحماس لتعزيز صورتها كوسيط لا غنى عنه، مما يضعف الدور المصري ويثير قلق إسرائيل من تصاعد قوة الحركة.
من جانبها، تتخوف إسرائيل من أن تؤدي هذه الديناميكيات إلى تعقيد علاقاتها مع القاهرة، التي تُعد شريكًا حيويًا في مكافحة الإرهاب في سيناء وإدارة الحدود مع غزة. وفقًا للتقرير، فإن أي تصرفات من الحكومة الإسرائيلية قد تُفسر على أنها "تواطؤ" مع قطر قد تُلحق ضررًا بمعاهدة السلام مع مصر، وهو ما حذرت منه النائبة السابقة في الكنيست كسينيا سفيتلوفا في تغريدة لها، مشيرة إلى أن "تصرفات الحكومة الإسرائيلية قد تؤدي إلى تحديات أمنية كبيرة".
هل هناك نية متعمدة من قطر؟
على الرغم من الادعاءات التي أثارتها التحقيقات الإسرائيلية، يظل السؤال حول ما إذا كانت قطر حاولت فعلًا تعقيد العلاقات بين إسرائيل والقاهرة مثار جدل. يقدم تقرير "جيروزالم بوست" وجهة نظر تشير إلى أن الدوافع القطرية قد تكون مرتبطة أكثر بتعزيز نفوذها الإقليمي بدلًا من استهداف العلاقات الإسرائيلية-المصرية بشكل مباشر. على سبيل المثال، يرى المحللون أن قطر تسعى لتأمين مكانة لها كوسيط رئيسي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهو ما يتماشى مع سياستها طويلة الأمد في دعم حركات مثل حماس والإخوان المسلمين.
ومع ذلك، لا يقدم التقرير دليلًا قاطعًا يثبت وجود نية متعمدة من قطر لتعقيد هذه العلاقات. بدلًا من ذلك، يشير إلى أن النتائج قد تكون غير مقصودة، ناتجة عن التنافس بين قطر والقاهرة على النفوذ في المنطقة. من وجهة نظر إسرائيلية، فإن هذا التنافس قد يخدم مصالحها في بعض الجوانب، حيث يُضعف موقفًا عربيًا موحدًا، لكنه يثير أيضًا مخاطر على الاستقرار مع مصر.
التداعيات المحتملة
يحذر تقرير "جيروزالم بوست" من أن استمرار فضيحة "قطرجيت" قد يؤدي إلى عدة تداعيات:
توتر العلاقات الإسرائيلية-المصرية: إذا شعرت القاهرة أن إسرائيل تتغاضى عن الدور القطري أو تستفيد منه على حسابها، فقد يؤثر ذلك على التنسيق الأمني بين البلدين.
تعزيز نفوذ حماس: استمرار الدعم القطري لحماس قد يمنح الحركة قوة إضافية، مما يثير قلق كل من إسرائيل ومصر.
تصعيد التوترات الإقليمية: قد يدفع هذا الوضع القاهرة إلى تعزيز تحالفها مع دول مثل السعودية والإمارات لمواجهة النفوذ القطري، مما يزيد من الاستقطاب في المنطقة.
من خلال تحليل "جيروزالم بوست"، يتضح أن فضيحة "قطرجيت" أثارت شكوكًا جدية حول نوايا قطر تجاه العلاقات بين إسرائيل والقاهرة. بينما تشير التحقيقات إلى أن قطر قد سعت لتعزيز صورتها على حساب مصر، لا يوجد دليل نهائي يثبت أنها استهدفت تعقيد العلاقات بين القاهرة وتل أبيب بشكل متعمد. بدلًا من ذلك، يبدو أن الدوحة تركز على تعزيز دورها كوسيط إقليمي، وهو ما يثير توترات مع القاهرة بسبب الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين البلدين.
في النهاية، يظل استقرار العلاقات الإسرائيلية-المصرية مرهونًا بقدرة الدولتين على إدارة هذه التحديات، مع الحفاظ على التنسيق الأمني الذي يشكل حجر الزاوية في معاهدة السلام بينهما.
0 تعليق