لشكر يحفز استحضار المواقف التاريخية الاتحادية من القضية الفلسطينية

هسبيرس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في ظلّ استمرار القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تطفو على سطح النقاش العمومي المغربي تقديرات متعددة، أحدثها تصريح إدريس لشكر، الكاتب الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي، بأن “هجمة 7 أكتوبر نكسة خطيرة، المسؤول عنها من اتخذ القرار بمعزل عن ‘السلطة الفلسطينية’ وعن الإطار الشرعي الذي هو ‘منظمة التحرير الفلسطينية’ (…) ومنذ البداية قلنا إن هذا ليس انتصارا ولا تحريرا، ونحن نفهم الواقع (…) وطرح سؤال من مع التطبيع ومن ضده؟ مزايدة على مؤسسات الدولة ووطننا، الذي لم يكن محتاجا طرحه، بل سؤال من مع القضية الفلسطينية بعقلانية ومسؤولية ومن ضدها؟”.

ورافق هذا التصريح نقاش واسع مغربيّا، من بين أوجهه استحضار مواقف القيادات التاريخية لـ”حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، الذي صار “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”؛ ويقدّم المقال بينها عبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بن بركة، وعمر بنجلون، انطلاقا من العمل التوثيقي الصادر عن دار نشر “الملتقى” في طبعة ثالثة سنة 2024، بعنوان “المغرب فلسطين. فلسطين: قضية وطنية”.

عبد الرحيم بوعبيد

في كلمة لقائد “حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” عبد الرحيم بوعبيد قال: “إن حل قضية فلسطين وحل مشكلة وجود ‘إسرائيل’ في الشرق الأوسط هو بيد الشعب الفلسطيني الذي يقرر مصيره بيده؛ وليس لأي أحد أن يقترح عليه الحلول. ونحن كحركة تقدمية لا نرى أن تكون لهذه الحلول صحة أو فعالية إلا إذا قبلها الشعب الفلسطيني والمنظمات الفدائية التي هي في المعركة، وهي التي سوف تقرر كيف سيكون مصير فلسطين الغد”.

ورأى السياسي الراحل أن “كارثة” سنة 1967 “جعلت من الشعب الفلسطيني يخوض المعركة بنفسه ويقرر مصيره”، مردفا: “وجود الشعب الفلسطيني وعمله هو في جانب من الجوانب يبعث الأمل بأنه ليس كل شيء يفقد، وأن هناك إرادة لا يمكن أن تمحى، وهي إرادة الشعب الفلسطيني الذي قرّر أن يصنع مصيره كيفما كانت الأطوار التي ستمر بها العلاقات العربية مع ‘إسرائيل’ أو مع أمريكا، وكيفما كانت إرادة الحكومات العربية”.

وأورد بوعبيد: “نكبة العرب أثرت على معنوياتنا، وعلى كل البلاد التواقة إلى التحرر. كما أن أخطاء العرب كانت جسيمة، وكانت نتيجة عدم الاعتماد على قوة وإرادة وتجنيد شعبي، وأدت إلى النتيجة المعروفة بسبب الاعتماد على طائفة معينة تعتبر نفسها نخبة في التفكير وفي العمل”، وزاد: “هناك أخطاء أخرى دبلوماسية، وفنية وعسكرية، لا مجال لمناقشتها هنا. إنما الذي يجب أن نعمله هو أن لا ننساق إلى حالة اليأس؛ ذلك أن وجود ‘إسرائيل’ لم يهدده العرب، كما كانت تدعي الإمبريالية و’إسرائيل’ وحتى لو استطاع العرب بخطة عسكرية منظمة خالية من الأخطاء ودخلوا ‘إسرائيل’ لتدخل الأسطول الأمريكي الذي كان موجودا في البحر المتوسط. إنه لا يجوز أن نغتر ونقول إن العرب سيمحقون ‘إسرائيل’ في حرب مقبلة غدا. إن هذا ليس تفكيرا واقعيا ينظر إلى ميزان القوات الموجودة في الشرق الأوسط وفي العالم؛ ذلك لأن ‘إسرائيل’ لديها حماية دولة مثل أمريكا. ومن الممكن أن تتغير هذه الظروف في وقت من الأوقات”.

ومن بين ما ختم به بوعبيد كلمته: “نحن هنا في المغرب متأثرون بحرب فلسطين، وانهزام العرب وأخطائهم، وبقوة الهجوم الإمبريالي على طريق الصهيونية، وبالدعاية المسمومة التي من شأنها أن تبعث فينا اليأس والخمول، وتجعلنا نقول إن الوقت مازال بعيدا… وإننا متأخرون وتلزمنا قرون وأجيال من أجل الوصول إلى مستوى معين. بالطبع إذا سرنا في الطريق نفسه فستلزمنا قرون للوصول إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة تقنيا وصناعيا. وإذا كان هناك عزم لطي المراحل (…) فمن المحقق أننا سنعيش في القرن العشرين مع إنسان القرن العشرين”.

المهدي بن بركة

الرمز التاريخي لحزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” المهدي بن بركة شارك بكلمة في “ندوة فلسطين العالمية” شهورا قبل اغتياله سنة 1965، بدأها بقوله: “إنه رغم الظروف التي يعيشها شعبنا في المغرب، حيث تعلمون بالمذابح الوحشية التي تعرض لها طلابنا وجماهيرنا الشعبية (…) كل ذلك لم يمنعنا من حضور هذه الندوة لنعبر لإخواننا عن تضامننا غير المشروط، التام واللانهائي في المعركة لتحرير فلسطين”.

وتحدث المهدي بن بركة عن “الواقع الإسرائيلي في القارة الإفريقية”، مردفا: “من واجبنا أن نعرف هذا الواقع، كما أنه من واجبنا أن نعلن رفضنا لهذا الواقع ككل واقع استعماري، لأننا نرفضه كعرب ونرفضه كمناضلين ثوريين، نرفضه كعرب لأن دور إسرائيل في إفريقيا هو جزء من مخطط استعماري ضد الثورة العربية، ونرفضه كمناضلين ثوريين لأن دور إسرائيل في إفريقيا جزء من الخطة الاستعمارية ضد الحركة التحريرية العالمية”.

وتابع السياسي الراحل: “إن هذه الأداة أعدت لتقوم بهذه المهمة؛ فالاستعمار يصوغ أداته لتقوم بعملها ضد مطامح الشعوب، سواء أكانت هذه الأداة حكما عميلا أو منظمة مصطنعة أو حكما دخيلا مثل إسرائيل. وقد حرصت إسرائيل على أن تكوّن من نفسها، وتعطي لوجهها صورة تناسب وتمهد وتسهل هذه المهمة؛ فقد أرادت أن تكون بالنسبة للدول المتخلفة، وبالنسبة لدول إفريقيا الفتية بالخصوص، النموذج المثالي الذي يجب أن يحتذى، والنموذج الذي يجب أن يمنح لهذه الدول الخبرة التي هي في حاجة إليها لمواجهة المشاكل التي تجدها أمامها غداة الاستقلال. علما أنه كان مهما بالنسبة لإسرائيل بعدما ضرب عليها الحصار العربي أن تحطم هذا الحصار، وأن تبحث عن متنفس وعن سوق في آسيا وإفريقيا، وفي الوقت نفسه أن تعمل على تطويق البلاد العربية بالموالين لوجهة نظر إسرائيل”.

ثم سجل المتحدث أن “قضية فلسطين اليوم دخلت في إطار قضايا حركة التحرير العالمية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي لم تعد قضية عرب ويهود، بل حركة عربية ثورية ضد قوى الاستعمار بلا تعصب عنصري”، وزاد: “لذلك وبسبب هذا المفهوم الإنساني والعملي لقضية فلسطين يمكننا أن نعتمد على القوى التقدمية والثورية في إفريقيا لتدرك حقيقة هذه القضية”.

ومن بين ما نبه إليه المهدي بنبركة أنه “يبقى ما النموذج الذي يجب أن تسير عليه المعركة التحريرية في فلسطين؟”، وهو “نموذج يرتبط بالظروف الخاصة بفلسطين، لكنه لا يختلف عن النماذج الأخرى التي عرفناها في آسيا وفي إفريقيا وفي أمريكا اللاتينية”.

عمر بنجلون

القيادي اليساري عمر بنجلون الذي اغتيل سنة 1975 انتقد في مقال مطوّل نشر في مجلة “أنفاس” بعض “التقدميين” و”الثوريين” الذين “هم الآن أداة الصهيونية الحاذقة والفعالة في جبهة الدعاية والتسميم، لا أحد منهم يطرح وجود دويلة إسرائيل ككيان، ولا أحد يطرح منهم مسألة اغتصاب الوطن الفلسطيني، فهم يكتفون بمناقشة البنى الحالية لإسرائيل، وشجب توسع حكامها”.

وتابع بنجلون: “بل (إن هؤلاء) ينتظرون منهم أن ينسلخوا عن صهيونيتهم ليؤسسوا دولة (ثنائية الجنسية) ومختلف أشكال التعاون والكونفدراليات… وهم بالنسبة للصهيونية ولسياسة إسرائيل بمثابة أعضاء ‘الضمير الفرنسي’ بالنسبة إلى الحماية خلال كفاحنا من أجل الاستقلال الوطني؛ فـ’الضمير الفرنسي’ و’الحضور الفرنسي’ ظواهر نشأت وتعارضت في الوقت الذي قوضت المقاومة الشعبية -جديا- الصرح الاستعماري. وبوادر فكرة الاستعمار الجديد قد نشأت تحت ظلال ‘الأبوية الإنسانية’ (أو الأنسنة) تمهد للمستقبل، وتهيئ شروط الحفاظ على الجوهر وتعارض المصالح المتخلفة، التي تكشف وحشيتها عن اليأس والشعور بقرب النهاية”.

كما كتب القائد اليساري الراحل: “تمخضت عن حرب 1967 ثم عن نمو المقاومة الفلسطينية السريع و(المدهش) إعادة تقييم أهم المواقف؛ يتعلق الأمر بالتطور نفسه الذي عرفه الرأي العام العالمي والعربي، هذا التطور الذي زادت في سرعته مواقف إسرائيل المتحدية والصهيونيين، كل في بلاده”، وزاد: “إنه الخلط الذي يبقى حول الموضوع نفسه لما اعتدنا تسميته المشكل الفلسطيني، أزمة الشرق، النزاع الإسرائيلي – العربي. ما دام هذا الخلط موجودا في فكر الشخص العربي فإن موقفه لن يستطيع أن يكون إلا مضرا بالثورة الفلسطينية، ما يفهمه الصهاينة وتفهمه الإقطاعية جيدا، ومن ثم مجهوداتهم المتآلفة التي تصبو إلى تقديم أزمة الشرق الأوسط كنزاع بين دول مجاورة”.

وواصل السياسي الراحل: “حتى نعطي فكرة ملموسة عن العواقب القريبة والبعيدة لهذا الخلط الذي يحرصون على استمراره علينا أن ننطلق من القدوة الفيتنامية. إن كل من يساندون ‘واقعية’ أو انتهازية قراراته، ويكتفي كل واحد بالتفرج على قرارات وتضحيات بطل الشعوب التي يلاحظون أنها ناتجة كلها عن الارتباط بالمبدأ الحاسم: الفيتنام للفيتناميين، وإن أدى هذا إلى إفنائهم عن آخرهم. ويحتوي هذا المبدأ على الحل كما الحلول العملية التي ينتظرها التنظيم وتطور المعركة ضد المهاجم”.

وختم عمر بنجلون مقاله بأفكار أولاها: “على الشعب الفلسطيني أن يحرر وطنه بما فيه من الأراضي المقدسة؛ إن مساندته هي أولا الاعتراف له بحقه في تقرير الوسائل والأساليب التي ينوي كل عربي كواجب قومي ووطني؛ ومن ثمة، لزوم الاعتراف للشعب الفلسطيني المطرود من أرضه بحقه في اعتبار كل شبر من الوطن العربي كقاعدة للإصلاح والتنظيم، المادي والعسكري، للحرب التي يخوضها”.

وسطّر الراحل على أفكار أخرى هي: “إن العدوان الحقيقي يكمن في وجود دولة إسرائيل نفسه، هذا العدوان الأول هو سبب النزاع الحالي كيفما كان اسمه”، و”كان هذا العدوان ومازال جزءا من الإستراتيجية الإمبريالية المنفذة في الشرق الأوسط لكي تنشئ فيه وضعا مستمرا ملائما لاستغلال الثروات”، وبناء على ذلك “تحرير فلسطين يقتضي زوال دولة إسرائيل، أي حربا ضد الصهيونية على صعيد العالم العربي”.

وخطّ بنجلون بعد هذه الأفكار أن “طرح المشكل في هذا الإطار ليس بالتطرف ولا بالاعتدال، لا بالواقعية ولا بالمثالية؛ إنها مجرد الموضوعية الأولية التي تلاحظ حقائق لا جدال فيها، حقائق لم تناقش تقوم على ترديد بديهيات، ولكن بديهيات غير كاذبة (…) لقد ألححنا طويلا لنبين أن تحرير فلسطين، مجرد التحرير، يقتضي أولا تحرير الفكر، ما يفترض قبل كل شيء إعادة نظر شاملة للنظريات المرتكزة على الإيديولوجية التصويرية البورجوازية. وإجمالا فإن مسؤولية الأطر وسلبيتهم تجاه القضية الفلسطينية جزء من موقف شامل، فكري وعملي إزاء حركة التحرير بصفة عامة”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق