الرسوم الجمركية تختبر أوروبا.. هل ...

بانكير 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في ظل تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أعادت أزمة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثاني من أبريل 2025 إحياء نقاش قديم جديد: هل يمكن لأوروبا أن تحقق استقلالًا اقتصاديًا حقيقيًا عن أمريكا؟، هذا السؤال، الذي كان يومًا حلمًا بعيد المنال، بات اليوم يطرق أبواب الواقع، وسط تحديات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة.

وفي هذا التقرير، من بانكير، نسلط الضوء على الوضع الاقتصادي في أوروبا والدور الأمريكي فيه.

بداية الأزمة "يوم التحرير" الأمريكي

في خطوة أثارت جدلاً عالميًا، أعلن ترامب من البيت الأبيض عن فرض رسوم جمركية شاملة على الواردات من دول العالم، واصفًا الثاني من أبريل بـ"يوم التحرير" الذي يمثل "استقلالًا اقتصاديًا" للولايات المتحدة.

الرسوم، التي شملت نسبة 20% على دول الاتحاد الأوروبي و25% على السيارات وقطع الغيار المستوردة، جاءت كجزء من استراتيجية ترامب لمعادلة ما يراه "استغلالًا اقتصاديًا" من الشركاء التجاريين على مدى عقود.

ولكن هذه الخطوة، التي رآها البعض انتصارًا للسياسة الأمريكية، اعتبرها آخرون، بما في ذلك قادة أوروبيون، تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي.

ردود الفعل الأوروبية بين الرفض والاستعداد

ولم تتأخر أوروبا في الرد، حيث وصفت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، الرسوم بأنها "بداية مسيرة نحو الاستقلال" للقارة العجوز، مشيرة إلى أنها قد تكون فرصة لأوروبا لتأخذ مصيرها الاقتصادي بيدها.

وفي الوقت نفسه، أعربت رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، عن رفضها للرسوم، محذرة من أنها "إجراء خاطئ" قد يضعف الغرب ككل.

من جانبه، أكد المستشار الألماني أولاف شولتز أن الاتحاد الأوروبي مستعد للرد بجبهة موحدة، بينما شدد رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون على أهمية حرية التجارة كأساس للنجاح الاقتصادي.

والاتحاد الأوروبي، الذي يمثل أكبر شريك تجاري لأمريكا، بدأ بالفعل في دراسة تدابير مضادة، تشمل فرض رسوم على المنتجات الأمريكية، مثل السلع الزراعية وخدمات التكنولوجيا، ومع وجود أداة "مكافحة الإكراه" التي تتيح للاتحاد تقييد تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية، يبدو أن أوروبا تمتلك أوراقًا قوية للرد، لكن السؤال يبقى: هل ستكفي هذه الأدوات لتحقيق الاستقلال الاقتصادي؟.

106.jpg
أزمة تأثيرالرسوم الجمركية الأمريكية على العالم

اعتماد متبادل وفجوة اقتصادية

وعلى الرغم من الخطابات المتفائلة، تواجه أوروبا عقبات كبيرة، فالاقتصاد الأوروبي لا يزال مترابطًا بشدة مع نظيره الأمريكي، حتى بعد قرار فرض الرسوم الجمركية الأمريكية.

وفي عام 2024، استوردت الولايات المتحدة بضائع بقيمة 3.3 تريليون دولار، جزء كبير منها من أوروبا، بينما تعتمد الشركات الأوروبية على السوق الأمريكية لتصدير منتجات مثل السيارات والأدوية، وهذا الاعتماد المتبادل يجعل فكرة "الاستقلال الكامل" صعبة المنال على المدى القصير.

إضافة إلى ذلك، تشير تحليلات اقتصادية إلى وجود فجوة بين الاقتصادين الأمريكي والأوروبي، فالولايات المتحدة، بقوتها التكنولوجية ومرونتها الاقتصادية، تظل في صدارة الاقتصاد العالمي، بينما تعاني أوروبا من بطء النمو وتشتت القرار السياسي بين دولها الـ27، وهذه الفجوة قد تعيق قدرة أوروبا على تحويل أزمة الرسوم إلى فرصة حقيقية.

فرصة أم مخاطرة؟

ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن الأزمة قد تكون دافعًا لتسريع الإصلاحات الاقتصادية في أوروبا، وتعزيز التصنيع المحلي، وتطوير قطاع التكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على الواردات الأمريكية، قد تكون خطوات نحو استقلال اقتصادي أكبر.

لاغارد نفسها ألمحت إلى أن الرسوم قد تدفع أوروبا لإعادة تقييم سياساتها التجارية والاستثمارية، ولكن المخاطر لا تقل أهمية.

وحرب تجارية مفتوحة قد تؤدي إلى انخفاض النمو الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، وتدهور مستوى المعيشة في القارة، كما أن استهداف شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة، مثل جوجل وأمازون، قد يثير ردود فعل أمريكية أقوى، مما يعقد المشهد أكثر.

حلم ممكن أم واقع بعيد؟

وفي النهاية، يبدو أن استقلال أوروبا الاقتصادي عن أمريكا بعد أزمة الرسوم الجمركية ليس حلمًا مستحيلاً، لكنه ليس واقعًا قريبًا أيضًا، فالقارة تمتلك الموارد والإرادة السياسية لاتخاذ خطوات جريئة، لكن نجاحها يعتمد على وحدتها وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص.

وبينما يصف ترامب قراره حول الرسوم الجمركية بـ"الاستقلال" لأمريكا، قد تكون أوروبا على أعتاب كتابة فصل جديد في تاريخها الاقتصادي، لكن الطريق إلى ذلك مليء بالمخاطر والتضحيات، فهل ستتحقق رؤية لاغارد، أم ستظل مجرد طموح يصطدم بواقع الاعتماد المتبادل؟، الإجابة قد تتضح في الأشهر المقبلة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق