تفاصيل الواقعة في عزبة شمس الدين
شهدت عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار في محافظة المنيا، في الساعات الأولى من صباح يوم 29 ديسمبر 2005، واحدة من أكثر القضايا الجنائية غموضاً في تاريخ الصعيد. تلقت الأجهزة الأمنية بلاغاً يفيد بالعثور على جثث عشرة أشخاص من ثلاث أسر داخل منازلهم، دون أن تظهر أي علامات أولية على وقوع شجار أو مطاردة أو استغاثة.
ضمت قائمة الضحايا في المنزل الأول سيد محمود محمد عبده (50 عاماً)، وزوجته صباح علي عبدالوهاب (46 عاماً)، وطفليهما أحمد (9 أعوام) وفاطمة (7 أعوام). وفي المنزل الثاني عُثر على جثتي طه عبدالحميد محمد (30 عاماً) ووالدته، بينما كان المنزل الثالث يضم يحيى محمد أبوبكر (40 عاماً)، وزوجته نعمات علي محمد، وطفليهما محمود (عام واحد) وأسماء (7 أعوام).
التحقيقات والتقارير الفنية
أوضحت التقارير الطبية أن الوفيات نتجت عن إصابات شديدة في الرأس أدت إلى كسور بالجمجمة وتوقف المراكز الحيوية. كما سجلت التحقيقات واقعة غريبة تمثلت في العثور على ست حمامات نافقة تم فصل رؤوسها عن أجسادها، وهو ما أثبته التقرير البيطري. استمعت النيابة العامة إلى شهادة 33 شخصاً، أجمعوا على أنهم لم يشهدوا لحظة وقوع الجريمة، واقتصرت معرفتهم بالواقعة على لحظة اكتشاف الجثث بعد الفجر.
بعد مرور خمسة أيام، وجهت التحريات أصابع الاتهام نحو محمد علي محمد عبداللطيف (27 عاماً)، وهو كهربائي من أهالي العزبة كان يتلقى علاجاً لاضطرابات نفسية. اعتمدت الشرطة في تحقيقاتها على اعترافات تفصيلية نُسبت للمتهم، تضمنت قتله للضحايا باستخدام ساطور وسكين، وتخلصه من الأدوات في ترعة الإبراهيمية. ومع ذلك، لم يتم العثور على أي أدوات جريمة في المكان المذكور، مما أثار تساؤلات حول دقة هذه الاعترافات.
التشكيك في الأدلة والبراءة
أثار التقرير الطبي الشرعي الذي أعده الدكتور جلال عبد الحميد سيد صالح، نائب كبير الأطباء الشرعيين، شكوكاً حول قدرة شخص واحد على تنفيذ الجريمة في النطاق الزمني المتاح. وأكد التقرير أن تنفيذ مثل هذه الوقائع يتطلب وقتاً لا يقل عن 6 ساعات، بينما كانت الفترة الزمنية المتاحة للمتهم وفقاً لشهادة الشهود لا تتجاوز ساعتين. كما أكدت الدكتورة أمل توفيق، الطبيبة المعالجة للمتهم، أن السلوك المنظم للجريمة لا يتسق مع طبيعة الاضطرابات النفسية التي يعاني منها المريض.
تقدم والد المتهم لاحقاً بطلب للنيابة العامة يدعي فيه تعرض أسرته لضغوط وإكراه مادي ومعنوي أثناء التحقيقات. أمام هذه المعطيات، قضت محكمة جنايات المنيا ببراءة المتهم، مؤكدة بطلان الاعترافات لكونها وليدة إكراه، وعدم جدية التحريات، وتناقض الأدلة الفنية. أيدت محكمة النقض هذا الحكم في أواخر عام 2008، ليصبح حكماً باتاً ونهائياً يغلق ملف القضية دون إدانة أي طرف.
