مدرسة الانضباط المسرحي
يُعد الفنان الراحل فؤاد المهندس، الذي تحل ذكرى ميلاده في 6 سبتمبر، أحد أبرز أعمدة المسرح المصري، ليس فقط كفنان كوميدي، بل كمعلم وضع قواعد صارمة للعمل المسرحي. كانت كواليس أعماله، وعلى رأسها مسرحية سك على بناتك التي انطلقت في 10 يوليو 1980، بمثابة معهد فني متكامل تخرج فيه نجوم كبار. وصفت الفنانة الراحلة سناء يونس الالتزام في مسرح المهندس بأنه يشبه التعبد، مشبهة الوقوف على خشبته بالوقوف في الجامع أو الكنيسة، نظراً للقدسية التي كان يضفيها على العمل الفني.
قواعد العمل الصارمة
فرض المهندس قواعد دقيقة على جميع العاملين معه لضمان أعلى درجات التركيز، منها الحضور الإلزامي قبل العرض بساعتين ونصف، ومنع التدخين نهائياً داخل أسوار المسرح. كما كان حريصاً على ارتداء أحذية ذات نعال مطاطية تشبه الكاوتش لعدم إحداث أي ضجيج قد يزعج الممثلين أو يشتت انتباه الجمهور أثناء العرض. كانت هذه التعليمات جزءاً من منظومة إدارية متكاملة تهدف إلى حماية هيبة المسرح وتقديم أداء يليق بجمهوره، وهو النهج الذي أكدت سناء يونس أنه كان يمنح الممثل شعوراً بأنه ملك متوج على الخشبة بفضل توجيهاته الدقيقة.
طقوس ما قبل العرض
استرجعت الفنانة شريهان، التي خاضت أولى تجاربها المسرحية أمامه وهي في سن الحادية والعشرين، تفاصيل دقيقة عن طقوسه قبل صعوده للخشبة. كان المهندس يلتزم بالصمت التام قبل فتح الستارة بساعة أو ساعة ونصف، مكتفياً بالمشي ذهاباً وإياباً أمام الستارة المغلقة وهو يقرأ القرآن، رافضاً الحديث مع أي شخص حتى لحظة بدء العرض. كما كان يصر على وضع مكياجه بنفسه، ويقف خلف الكواليس طوال فترة العرض كطبيب مراقب، حيث كان يتأثر بشدة إذا لم يلقَ إفيه معين التفاعل المرجو من الجمهور، لدرجة أنه كان يعاتب نفسه بقسوة حرصاً على جودة العمل.
الإخلاص الفني والأبوي
لم تكن صرامة المهندس قائمة على الترهيب، بل على الاحتواء والحرص المهني، فكان يؤدي بنفس الحماس سواء كانت الصالة ممتلئة أو خاوية. تروي شريهان موقفاً تأخرت فيه عن موعدها بسبب ظروف السفر من الإسكندرية، حيث دخلت المسرح وهي ترتجف خوفاً من غضبه، ليقابلها باهتمام أبوي قائلاً: "انتي كويسة.. انتي فيكي حاجة؟"، مما علمها أن الالتزام هو أساس المهنة وأن الشيء الوحيد الذي قد يعذر الفنان عن التأخير هو الموت. هذا النهج في الإدارة المسرحية الذي يمزج بين الانضباط الأخلاقي والاحترافية الفنية، كان له أثر ممتد في أجيال من المسرحيين الذين عاصروه أو تأثروا بمدرسته، بمن فيهم نجوم كبار مثل عادل إمام ومحمد صبحي الذين ورثوا عنه تقاليد العمل العريقة.
