مزار تاريخي في قلب جبانات زاوية سلطان
يقع ضريح الإمام شمس الدين القرطبي في منطقة جبانات زاوية سلطان بمحافظة المنيا، على بعد سبعة كيلومترات من المدينة. وتعتبر هذه المنطقة أكبر تجمع للمقابر في صعيد مصر، حيث تضم أكثر من 50 ألف قبر تمتد على مسافة كيلومترين أسفل سفح الجبل الشرقي. ويبرز الضريح كأحد أهم المزارات الدينية في المحافظة، حيث يقصده مئات الزوار أسبوعياً، وتصل معدلات الزيارة ذروتها أيام الجمعة، بالإضافة إلى الاحتفال السنوي الذي يقام في يومي التاسع والعاشر من شهر المحرم.
مسيرة علمية من قرطبة إلى صعيد مصر
وُلد الإمام محمد بن أحمد بن فرح الخزرجي الأنصاري القرطبي في مدينة قرطبة بالأندلس خلال أوائل القرن السابع الهجري. نشأ الإمام في أسرة بسيطة، حيث عمل والده في صناعة الخزف، قبل أن يتفرغ القرطبي لطلب العلم الشرعي بعد وفاة والده. دفعته الاضطرابات التي شهدتها الأندلس في ذلك الوقت إلى مغادرة موطنه، ليبدأ رحلة تنقل بين البلدان حتى استقر في مدينة "منية ابن خصيب"، وهي المنيا حالياً.
كرّس القرطبي حياته في المنيا للتدريس والتأليف، مما جعله أحد أبرز علماء عصره في علوم القرآن والحديث والفقه. وقد عُرف بدقة النقل والأمانة العلمية، مما أكسبه لقب "شيخ المفسرين"، واستمر عطاؤه العلمي حتى وفاته عام 671 هـ.
إرث علمي خالد ومكانة عالمية
ترك الإمام القرطبي مؤلفات لا تزال تشكل مراجع أساسية لطلاب العلم والباحثين في التراث الإسلامي. ويأتي في مقدمة هذه الأعمال كتابه الشهير "الجامع لأحكام القرآن"، الذي استغرق تأليفه وتنقيحه قرابة ثلاثين عاماً. كما تشمل قائمة مؤلفاته البارزة كتاب "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، وكتاب "قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة".
تتجاوز شهرة الضريح الحدود المحلية، إذ يفد إليه طلاب العلم من دول جنوب شرق آسيا، وعلى رأسهم زوار من إندونيسيا، بالإضافة إلى وفود من دول عربية وإسلامية. كما يشارك في الاحتفالات السنوية زوار من إسبانيا، موطن الإمام الأصلي، مما يعكس الامتداد العالمي لسيرته وعلمه.
روايات الموروث الشعبي حول الضريح
تحيط بالضريح بعض الروايات الشعبية التي يتناقلها أهالي المنطقة، ومن أبرزها قصة تعود إلى ستينيات القرن الماضي. تتحدث الرواية عن محاولة لنقل رفات الإمام إلى مسجد يحمل اسمه في منطقة أبو عرب بمدينة المنيا، إلا أن هذه المحاولة لم تكتمل وتوقفت أعمال الحفر وفقاً للموروث المحلي. ويؤكد الباحثون أن هذه الواقعة تظل جزءاً من التراث الشفهي للمنطقة، دون وجود توثيق تاريخي يؤكد تفاصيلها أو أسباب توقفها، ليبقى الضريح في موقعه الحالي شاهداً على رحلة عالم جليل ربط بين الأندلس وصعيد مصر بعلومه التي لا تزال تنهل منها الأجيال.
