سامح مهران: التجريب المسرحي يغير علاقة الجمهور بالعرض

سامح مهران: التجريب المسرحي يغير علاقة الجمهور بالعرض

تحولات المشهد المسرحي

أكد الدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، أن التحولات التي شهدها المسرح عبر تاريخه لم تقتصر على تقنيات الأداء، بل امتدت لتشمل إعادة تعريف مفهوم الجسد المسرحي وموقع المتلقي وطبيعة العلاقة التي تجمعه بالعرض. جاء ذلك خلال تعقيبه على جلسة «التجريب واستراتيجيات بناء المتفرج المتحرر» ضمن المحور الفكري للدورة الثالثة والثلاثين من المهرجان.

وأوضح مهران أن مفهوم «البرادايم» يعد مفتاحاً لفهم الفروق بين الأشكال المسرحية، مشيراً إلى أن القواعد التي نظمت العرض منذ المسرح اليوناني وحتى بدايات القرن العشرين شهدت تغيرات جذرية. ولفت إلى دور الممارسين والمنظرين مثل ريتشارد ششنر في إعادة التفكير في طبيعة الحدث المسرحي، حيث لم يعد المسرح محكوماً بالفصل التقليدي بين فضاء العرض وفضاء الجمهور، مما أدى إلى توزيع جديد للأدوار بين صناع العمل والمتفرجين.

الجسد كأداة لإنتاج المعنى

توقف مهران عند التحول الجوهري في مفهوم الجسد داخل المسرح، موضحاً أنه انتقل من كونه جسداً سيميولوجياً يعتمد على قراءة العلامات، ليصبح كياناً متعدد الهويات والحضور. وأشار إلى أن المسرح الحديث يوظف الجسد في صور مركبة قد تكون شبحية أو منقسمة على ذاتها، مما يجعله عنصراً أساسياً في تشكيل المعنى بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ الحركة أو تجسيد الشخصية التقليدية.

هذا التحول جعل من الجسد مادة حيوية في بناء العرض، حيث لم يعد مستقراً على صورة واحدة، بل بات يعكس تعقيدات الهوية والحضور المسرحي. وأكد مهران أن هذه الرؤية تساهم في تعميق التجربة البصرية والحسية للمتلقي، وتمنح الممثل مساحة أكبر للتعبير تتجاوز الأنماط الكلاسيكية المعتادة.

المتفرج شريكاً في العرض

تناول النقاش تغير دور الجمهور، حيث لم يعد المتلقي مجرد مراقب يقف خارج الحدث لتفسير دلالاته، بل أصبح طرفاً فاعلاً في العملية المسرحية. وأشار مهران إلى أن التجارب المعاصرة تعمد إلى كسر الحدود التقليدية بين خشبة المسرح وصالة العرض، من خلال انتقال الممثلين إلى أماكن جلوس الجمهور أو إشراكهم مباشرة في الحدث، مما يزعزع التقاليد الساكنة.

مفهوم النص الكثيف والشفاف

طرح مهران استراتيجيات التلقي من خلال التمييز بين نوعين من النصوص:

  • النص الشفاف: الذي يلبي توقعات الجمهور ويسمح له بالدخول إلى العرض عبر منظومة مألوفة من العلامات والمفاهيم.
  • النص الكثيف: الذي يعمل على اختراق التوقعات وعدم الاستجابة المباشرة لما اعتاد عليه المتفرج، مما يضعه أمام حالة من الصدمة التي تدفعه لإعادة تقييم علاقته بالعرض.

وختم مهران حديثه بالتأكيد على أن بناء «المتفرج المتحرر» لا يقتصر على استقبال الجمهور للعرض، بل يمتد لكيفية تهيئة العرض لشروط هذا الاستقبال. وتهدف هذه الاستراتيجيات إلى تحرير المتلقي من الأنماط التقليدية، وإعادة ترتيب علاقته بما يشاهده ويسمعه، وصولاً إلى إعادة صياغة التصورات التي يدخل بها إلى التجربة المسرحية.