في تطور مثير أشعل النقاش في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، تساءل مراسل "سي إن إن"، جيف زيليني، عما إذا كان الرئيس السابق دونالد ترامب يدرك فعلًا حجم "فضيحة دردشة سيجنال" التي كشفت عنها مجلة "ذي أتلانتيك" أمس الأربعاء، 27 مارس 2025.
التقرير ألقى الضوء على خطط حربية سرية ناقشها وزير الدفاع بيت هيجسيث عبر تطبيق "سيجنال" المشفر، في محادثة جماعية ضمت مسؤولين حكوميين بارزين، بمن فيهم مستشار الأمن القومي، وأُرسلت -على ما يبدو عن طريق الخطأ- إلى رئيس تحرير المجلة، جيفري جولدبرج. هذا الخطأ المحتمل فتح الباب أمام تساؤلات حول الأمن القومي، والشفافية، ومدى وعي ترامب بتداعيات الحادثة، مما جعلها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفترة الأخيرة.
خلال ظهوره صباح اليوم على "ذا فينس بودكاست"، رد ترامب على القضية بأسلوب بدا للبعض متشتتًا وغير متماسك، قائلًا: "لم يتم الكشف عن أي شيء سري أو تم المساس به"، مضيفًا أن الأمر "ليس كبيرًا". لكنه عبر عن استيائه من كيفية وقوع الحادثة، مشيرًا: "شخص ما في مجموعتي إما أخطأ أو أنها إشارة سيئة، تعرفون، إشارة سيئة تحدث أحيانًا". واقترح أن أحد الموظفين ربما أضاف جيفري جولدبرج عن غير قصد، مضيفًا: "لدينا رجال جيدون يتحققون من الهواتف، وسنعرف اليوم، على ما أعتقد". هذا الرد، الذي بدا فيه ترامب مترددًا وغير متأكد، أثار شكوكًا حول مدى إدراكه لخطورة الموقف، خاصة أن تعليقاته لم تظهر فهمًا واضحًا لطبيعة التطبيق أو السياق الذي أُثيرت فيه القضية.
هذا التصريح قاد جيف زيليني إلى التساؤل عن فهم ترامب لتطبيق "سيجنال"، وهو تطبيق مراسلة مشفر متاح تجاريًا، لكنه محظور في أوساط البنتاجون بسبب مخاطر الاختراق وإمكانية حذف الرسائل تلقائيًا، مما قد يتعارض مع قوانين حفظ السجلات الحكومية.
بدا ترامب يخلط بين "سيجنال" كتطبيق ومفهوم "الإشارة" كمشكلة اتصال، إذ علق زيليني: "يبدو أنه يتحدث عن إشارة هاتف، لكن هذا تطبيق مراسلة". وأضاف: "الخلاصة أن البيت الأبيض وترامب يرفضان الانتقادات، موجهين اللوم لـ'ذي أتلانتيك' وجيفري جولدبرج، في تكرار لاستراتيجيتهما المعتادة بمهاجمة الإعلام بدلًا من مواجهة القضية". هذا النهج، وإن كان مألوفًا لأنصار ترامب، لم ينجح في تبديد الشكوك حول ما حدث فعلًا.
الفضيحة لم تقتصر على خطأ تقني محتمل، بل أثارت مخاوف أعمق حول الأمن القومي. فكيف يمكن أن تُناقش خطط حربية حساسة عبر تطبيق غير آمن نسبيًا مثل "سيجنال"، الذي يُعرف بتشفيره القوي لكنه ليس مصممًا للتعامل مع أسرار الدولة؟ ولماذا انضم جيفري جولدبرج، وهو صحفي وليس مسؤولًا حكوميًا، إلى هذه المحادثة؟
هذه الأسئلة تضع إدارة ترامب ودائرته تحت مجهر الرأي العام مجددًا، خاصة مع تاريخها الطويل من الجدل حول الشفافية والتعامل مع المعلومات الحساسة. وفي الوقت الذي يدافع فيه البيت الأبيض عن الموقف، يرى مراقبون أن استخدام "سيجنال" قد يكون محاولة للتهرب من المراقبة الرسمية، مما يثير المزيد من التساؤلات حول النوايا والمسؤولية.
من جانب آخر، يعكس هذا الحدث الانقسام العميق في المشهد السياسي الأمريكي. فبينما يعتبر أنصار ترامب أن التقرير جزء من حملة تشويه مستمرة ضده، يرى منتقدوه أنه دليل إضافي على سلوكيات غير شفافة وإدارة فوضوية.
يذكر أن تصريحات ترامب المتضاربة، التي تجمع بين التقليل من شأن القضية والاعتراف بضرورة التحقيق فيها، لم تساعد في تهدئة الجدل، بل زادت من حدته. ففي حين يقول إن الأمر "ليس كبيرًا"، فإن إشارته إلى فحص الهواتف تشير إلى أن هناك ما يستدعي القلق، وهو تناقض لاحظه زيليني وغيره من المحللين.
تاريخيًا، اعتاد ترامب على مواجهة الأزمات بثقة وهجوم مباشر، لكن هذه المرة بدا أقل وضوحًا في تعامله مع القضية. هل هو تكتيك جديد لتجنب التصعيد، أم أنه فعلًا لا يدرك حجم التداعيات؟ هذا ما يحاول جيف زيليني وآخرون استيضاحه، مشيرين إلى أن الغموض المحيط بالحادثة قد يؤدي إلى عواقب أكبر مما يتوقع ترامب. فإذا ثبت أن الرسائل تضمنت معلومات سرية، فقد تواجه الإدارة تحقيقات قانونية جديدة، وربما تتجدد الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن مثل هذه الأخطاء.
وتبقى "فضيحة سيجنال" لغزًا لم يكتمل بعد، مع انتظار المزيد من التفاصيل من التحقيقات الجارية وتغطية الإعلام. لكن ما هو واضح أنها أضافت طبقة جديدة من التعقيد إلى الساحة السياسية الأمريكية، حيث يستمر الاستقطاب في تغذية الجدل. والسؤال الذي طرحه زيليني لا يزال معلقًا: هل يدرك ترامب فداحة ما قد يترتب على هذه القضية، أم أن "الإشارة السيئة" التي تحدث عنها هي في الحقيقة انعكاس لفهمه المحدود للموقف؟ مع استمرار التطورات، يبقى الجميع في انتظار إجابة قد تغير مسار القصة برمتها.
0 تعليق