في تطور لافت شهدته شوارع غزة مؤخرًا، استمرت الاحتجاجات المدعومة من العشائر ضد حركة حماس، التي تحكم القطاع منذ 2007، رغم التهديدات الصريحة من جماعات مسلحة.
هذه المظاهرات، التي بدأت في مناطق مثل بيت لاهيا والشجاعية وجباليا، وامتدت لتشمل دير البلح في وسط القطاع، لم تكن مجرد تعبير عن استياء شعبي من استمرار الحرب مع إسرائيل، بل كشفت عن صراع متصاعد بين العشائر الفلسطينية المحلية وحماس، التي تواجه تحديًا غير مسبوق لسلطتها، وفقًا لصحيفة آراب ويكلي اللندنية.
واندلعت الاحتجاجات في أواخر مارس 2025، بعد استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة إثر انهيار هدنة استمرت شهرين. في بيت لاهيا، خرج مئات المتظاهرين يوم 25 مارس حاملين لافتات كتب عليها "حماس لا تمثلنا" و"كفى حروبًا، نريد أن نعيش"، وهتفوا "حماس إرهابية" و"الشعب يريد إسقاط حماس".
وفي الشجاعية، دعت العشائر المحلية إلى وقفة احتجاجية يوم 26 مارس، متهمة قادة حماس بالتلاعب بمصير السكان. هذه التظاهرات، التي وصفت بأنها الأكبر منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، تعكس تحولًا في المزاج العام، حيث بدأ السكان يحملون حماس مسؤولية تفاقم معاناتهم إلى جانب إسرائيل.
وتبرز أهمية هذه الاحتجاجات في دعمها من العشائر الفلسطينية، التي طالما شكلت قوة اجتماعية وسياسية في غزة. تاريخيًا، كانت العشائر تتولى تنظيم الحياة الاجتماعية وحل النزاعات، لكن سيطرة حماس قلصت من نفوذها. اليوم، وبعد 17 شهرًا من الحرب التي خلفت أكثر من 50 ألف قتيل ودمارًا هائلًا، تسعى العشائر لاستعادة دورها، معبرة عن رفضها لاستمرار النزاع وسياسات حماس. بيان أصدرته عشائر الشجاعية اتهم قادة الحركة باستغلال سكان غزة، وأكد معارضتها لاحتكار حماس للسلطة، بما في ذلك السيطرة على توزيع المساعدات، وهو ما أثار أولى الصدامات بين الطرفين في الأشهر الأخيرة.
لكن هذه الاحتجاجات تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تهديدات الجماعات المسلحة. يوم الخميس 27 مارس، أصدرت "فصائل المقاومة"، وهي مظلة تضم حماس، بيانًا وصفت فيه قادة "الحركة المشبوهة" -في إشارة إلى الاحتجاجات- بأنهم "خونة وأذناب للاحتلال"، مهددة بمعاقبتهم كمسؤولين عن "دماء شعبنا" بقدر مسؤولية إسرائيل. هذا الخطاب، الذي يحاكي أساليب الأنظمة القمعية، يشير إلى نية حماس قمع الاحتجاجات إذا اكتسبت زخمًا، رغم ضعف وجودها الأمني في الشوارع بعد القصف الإسرائيلي المكثف.
من جانبها، حاولت حماس التخفيف من حدة الانتقادات. فقد أكد القيادي بسام نعيم أن للناس الحق في الاحتجاج، لكنه حذر من استغلال التظاهرات لأغراض سياسية أو لتبرئة إسرائيل من مسؤوليتها عن الاحتلال. لكن هذا الموقف لم يهدئ من غضب المتظاهرين، الذين أعربوا عن إرهاقهم من الحرب ونقص الغذاء والماء.
وقال معايد زهير، أحد المشاركين في مظاهرة غزة، لرويترز: "لا نريد حماس! لقد سئمنا، لا تعليم ولا طعام ولا ملابس، وكل هذا بسبب حماس".
ويضع هذا الوضع العشائر أمام تحدٍ مزدوج: التعبير عن مطالب الشعب مع الحفاظ على الوحدة الوطنية ضد إسرائيل. المحلل أكرم عطالله أشار إلى أن حماس، التي كانت تتمتع بدعم واسع في بداية الصراع، تفقد هذا الدعم مع استمرار الأزمة الإنسانية، لكنها قد تجد صعوبة في قمع الاحتجاجات بسبب ضعفها العسكري أمام الهجوم الإسرائيلي.
في المقابل، رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتظاهرات، معتبرًا أنها تثبت نجاح استراتيجيته للضغط على حماس، بينما دعا وزير الدفاع إسرائيل كاتس السكان إلى مواصلة الاحتجاج للمطالبة بإزالة الحركة وإطلاق الرهائن.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يفاقم الدمار -الذي طال 70% من المباني- وانهيار البنية التحتية الضغط على العشائر. في جباليا، أحرق المتظاهرون الإطارات وهتفوا "نريد أن نأكل"، معبرين عن أولوياتهم الأساسية. هذا الواقع يجعل العشائر في موقف حرج: فهي مطالبة بالدفاع عن السكان دون أن تملك بديلًا حكوميًا واضحًا. المحلل مصطفى إبراهيم تساءل: "إذا انهارت سلطة حماس، من سيملأ الفراغ؟"، مشيرًا إلى أن إسرائيل قد تستغل الفوضى لفرض واقع جديد.
وتكشف هذه الاحتجاجات عن أزمة وجودية في غزة، حيث تواجه العشائر تحديات تتجاوز الصراع مع حماس. إنها معركة لاستعادة النفوذ والبقاء في ظل حرب مدمرة وحصار خانق. ومع اقتراب الذكرى الثانية للحرب في أكتوبر 2025، تبقى الاحتجاجات اختبارًا لقدرة العشائر على تغيير المشهد السياسي، أو ما إذا كانت ستصبح مجرد صدى لمعاناة شعب محاصر.
0 تعليق