مصر وإيران.. خطوة للأمام في اتجاه تعزيز العلاقات الثنائية

الرئيس نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشهد العلاقات بين مصر وإيران تطورات إيجابية ملحوظة في الآونة الأخيرة، حيث بدأت بوادر تقارب تدريجي تظهر وسط مناخ إقليمي مشحون بالتوترات والتحديات. 

هذه الخطوة تأتي في وقت حساس للغاية، مع تصاعد الصراعات في المنطقة، خاصة في قطاع غزة، مما يجعل التواصل بين القاهرة وطهران أمرًا ذا أهمية استراتيجية. 

في هذا السياق، أفادت صحيفة "طهران تايمز" الإيرانية في تقرير نشر بتاريخ 1 أبريل 2025 أن الاتصال الهاتفي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان يعكس تطورًا هامًا في مسار العلاقات المصرية-الإيرانية، حيث أعرب الرئيس بزشكيان عن أمله في أن تكون هذه المحادثة بداية لتعزيز التعاون بين البلدين.

كما أشارت صحيفة "تورنتو ستار" الكندية في تقرير سابق إلى أن هناك جهودًا متزايدة لتحسين العلاقات بين الدولتين، مما يعكس رغبة متبادلة في فتح قنوات الحوار. 

هذا المقال يستعرض تاريخ العلاقات بين مصر وإيران، ويحلل أسباب هذا التقارب الأخير، والتحديات التي قد تعترضه، مع تسليط الضوء على الآفاق المستقبلية للتعاون الثنائي.

خلفية تاريخية: من الود إلى الجفاء

كانت العلاقات بين مصر وإيران في الماضي تتسم بفترات من التقارب الوثيق، حيث شهدت العقود الأولى من القرن العشرين توقيع اتفاقيات تعاون وزيارات رسمية متبادلة. 

أبرز هذه الفترات كان زواج الأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق، من الشاه محمد رضا بهلوي في عام 1939، والذي عزز الروابط بين البلدين. لكن هذا التقارب انهار مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، التي أطاحت بالنظام الملكي، تلاها قطع العلاقات الدبلوماسية الكاملة في عام 1980. جاء هذا القطع بعد قرار مصر استضافة الشاه المخلوع عقب خلعه، وتوقيعها اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، وهي خطوة أثارت استياء طهران.

وتفاقمت الأمور خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، حيث دعمت مصر العراق، بينما أقدمت إيران على تسمية أحد شوارعها باسم "خالد الإسلامبولي"، قاتل الرئيس الراحل أنور السادات، مما زاد من حدة التوتر. منذ ذلك الحين، اقتصرت العلاقات على الحد الأدنى عبر مكاتب رعاية المصالح، مع تبادل متباعد للرسائل الدبلوماسية.

الاتصال الهاتفي: نقطة تحول محتملة

في 31 مارس 2025، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو الحدث الذي وصفته "طهران تايمز" بأنه "خطوة تاريخية" قد تمهد لتحسين العلاقات. خلال المكالمة، تبادل الجانبان وجهات النظر حول الأوضاع الإقليمية، مع التركيز على التصعيد في غزة والحاجة إلى وقف إطلاق النار.

 أعرب السيسي عن قلقه إزاء التداعيات الإنسانية للصراع، بينما شدد بزشكيان على ضرورة التعاون لمنع اتساع نطاق الحرب. كما ناقشا سبل تعزيز العلاقات الثنائية، حيث أكد بزشكيان أن "الشعبين المصري والإيراني يستحقان علاقات أفضل"، معربًا عن أمله في أن تكون هذه المحادثة بداية لمرحلة جديدة. هذا الاتصال، وإن كان رمزيًا إلى حد كبير، يعكس تحولًا في النهج الدبلوماسي لكلا البلدين، خاصة مع تزايد الضغوط الإقليمية.

دوافع التقارب

تتعدد الأسباب التي تقف وراء هذا التقارب المستجد. بالنسبة لمصر، تأتي هذه الخطوة في ظل تحديات اقتصادية كبيرة، حيث تسعى القاهرة إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية. إيران، بأسواقها الكبيرة ومواردها الطبيعية، يمكن أن تكون شريكًا محتملًا في مجالات مثل الطاقة والتجارة، مما قد يساعد في تخفيف الضغط على الاقتصاد المصري. 

كما أن مصر، بصفتها لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، ترغب في تعزيز دورها كوسيط إقليمي، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في غزة ولبنان. 

من جانب إيران، يمثل التقارب مع مصر فرصة للخروج من عزلتها الدبلوماسية، لا سيما بعد الاتفاق السعودي-الإيراني في 2023 الذي فتح الباب أمام تحسين العلاقات مع دول عربية أخرى. 

تجدر الإشارة إلى أن الرئيس بزشكيان، الذي تولى السلطة في يوليو 2024، يتبنى نهجًا براجماتيًا يركز على تعزيز التعاون الإقليمي، مما يجعل مصر هدفًا استراتيجيًا في هذا السياق.

على الصعيد الإقليمي، يتزامن هذا التقارب مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث تسعى كل من مصر وإيران إلى احتواء الصراعات المحيطة بهما. الحرب في غزة، التي أدت إلى نزوح مئات الآلاف وأزمة إنسانية حادة، دفعت البلدين إلى البحث عن أرضية مشتركة للضغط من أجل وقف إطلاق النار. 

كما أن التهديدات المتبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تزيد من أهمية التنسيق بين القاهرة وطهران لتجنب حرب إقليمية شاملة.

التحديات أمام التقارب

على الرغم من هذه التطورات الإيجابية، يواجه التقارب بين مصر وإيران عقبات كبيرة.

  • أولًا، هناك مخاوف مصرية من النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة دعم طهران لجماعات مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، والذي يتعارض مع مصالح حلفاء مصر الخليجيين، مثل السعودية. 
  • ثانيًا، العلاقات الوثيقة بين مصر والولايات المتحدة، التي تفرض عقوبات صارمة على إيران، قد تحد من قدرة القاهرة على تطوير علاقاتها مع طهران دون المساس بشراكاتها الغربية. 
  • ثالثًا، الخلافات التاريخية، مثل قضية "الإسلامبولي" والمواقف المتباينة تجاه إسرائيل، لا تزال تلقي بظلالها على أي تقدم محتمل. وأخيرًا، قد يواجه التقارب معارضة داخلية في كلا البلدين، سواء من تيارات سياسية متشددة أو من الرأي العام الذي يحتفظ بذاكرة التوترات السابقة.

آفاق التعاون المستقبلي

في حال تمكنت مصر وإيران من التغلب على هذه التحديات، فإن التعاون بينهما يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة. 

  • اقتصاديًا، يمكن أن يشمل ذلك فتح خطوط تجارية جديدة، مثل تصدير المنتجات الزراعية المصرية إلى إيران، واستيراد المنتجات النفطية والتكنولوجيا الإيرانية.

كما يمكن أن يتعاون البلدان في مشروعات طاقة متجددة، مستفيدين من خبرات إيران في هذا المجال. 

  • سياسيًا، يمكن أن يلعب التنسيق بين القاهرة وطهران دورًا في تهدئة النزاعات الإقليمية، مثل دعم جهود الوساطة في غزة أو اليمن. 
  • ثقافيًا، يمكن أن يعزز تبادل الزيارات والفعاليات المشتركة التفاهم بين الشعبين، اللذين يمتلكان تاريخًا حضاريًا غنيًا.

ويمثل الاتصال الهاتفي بين السيسي وبزشكيان خطوة واعدة نحو تحسين العلاقات المصرية-الإيرانية، لكنها تظل خطوة أولية تحتاج إلى دعم مستمر وجهود دبلوماسية مكثفة. 

في ظل التحديات الإقليمية والدولية، يمكن أن يكون التعاون بين مصر وإيران عاملًا مساعدًا في تحقيق الاستقرار ومواجهة التهديدات المشتركة. 

نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة البلدين على إدارة التوازن بين مصالحهما الخاصة والضغوط الخارجية، مما قد يجعل هذه العلاقات نموذجًا للتعاون الثنائي في منطقة مضطربة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق