تاريخ تحت التهديد.. الحرب تلقي آثار السودان في مزادات الإنترنت

الرئيس نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شهد السودان، في خضم الصراع الدائر، موجة من التدمير والنهب طالت مواقع تراثها الثقافي، بما في ذلك المستودع الأثري الرئيسي في متحف السودان القومي بالخرطوم، وهو الأكبر والأبرز في البلاد، إلى جانب متاحف القصر الجمهوري وبيت الخليفة والتاريخ الطبيعي ومتحف الإثنوغرافيا ودار الوثائق القومية. هذه المواقع، التي تحمل في طياتها تاريخ وحضارة السودان، تعرضت لعمليات تخريب واسعة وسرقة منظمة، حيث انتشرت أنباء محزنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن بيع مقتنيات أثرية نادرة تمثل هوية الأمة في مزادات الإنترنت.

ووفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، تعرضت مقتنيات اللواء البريطاني تشارلز جورج جردون، الذي كان إداريًا بارزًا في الحقبة الاستعمارية بالسودان، للنهب الكامل خلال الصراع الأخير. وجردون، الذي شغل منصب الحاكم العام للسودان في أواخر القرن التاسع عشر، ترك خلفه مجموعة ثمينة من الأغراض الشخصية والوثائق التي كانت محفوظة في متحف القصر الجمهوري بالخرطوم. هذه المقتنيات، التي كانت تُعد شاهدًا على فترة الحكم الثنائي البريطاني-المصري، سُرقت بالكامل، مما يمثل خسارة كبيرة للتراث التاريخي الذي يوثق تلك الحقبة المضطربة من تاريخ السودان

تاريخ تحت التهديد

بعد تحرير الخرطوم من سيطرة قوات "الدعم السريع"، كشفت جولات تفقدية أجراها مسؤولو المتاحف عن حجم الكارثة. ففي متحف القصر الجمهوري، سُرقت وثائق تاريخية تروي نضال السودانيين ضد الاستعمار وتفاصيل عن الدولة المهدية، بالإضافة إلى سير رؤساء البلاد منذ الاستقلال. كما نُهبت مقتنيات ثمينة تعود للواء البريطاني تشارلز غردون، ودُمرت ست سيارات تشريفة رئاسية يعود تاريخها إلى 88 عامًا، كانت شاهدة على حقب الاستعمار والحكم الوطني.

اتهامات رسمية باستهداف ممنهج

فيما وجهت وزارة الخارجية السودانية، في بيان أصدرته يوم الثلاثاء 1 أبريل 2025، اتهامات لقوات "الدعم السريع" بالوقوف وراء تدمير المتحف القومي ونهب مقتنياته التي تعكس آلاف السنين من الحضارة. وشملت الاعتداءات متاحف أخرى في الخرطوم وأم درمان، إضافة إلى دار الوثائق القومية والمكتبات والجامعات. وأكدت الوزارة أن هذه الأفعال تمثل محاولة متعمدة لمحو الهوية الثقافية السودانية، مشيرة إلى تهريب الآثار عبر دول مجاورة، واصفةً ما حدث بأنه جرائم حرب تنتهك اتفاقيات دولية مثل "نظام روما" و"اتفاقية لاهاي" و"اتفاقية يونيسكو" لعام 1970.

السوق السوداء تبتلع الآثار

وأفاد عوض شعيب، المتخصص في الآثار، أن عمليات النهب بدأت منذ أغسطس 2023، عندما اقتحمت قوات "الدعم السريع" المتحف القومي. وأشار إلى أن القطع المسروقة، التي ظهرت لاحقًا معروضة للبيع عبر الإنترنت، لا تمثل السودان فحسب، بل تشكل جزءًا من التراث الإنساني العالمي الذي يحميه القانون الدولي.

جهود للإنقاذ

من جانبه، كشف عبدالرحمن علي، المدير السابق للهيئة العامة للآثار والمتاحف، في تصريحات لصحيفة الإندبندنت البريطانية، عن بدء الجهات المختصة في تتبع الآثار المنهوبة بالتعاون مع منظمات دولية مثل "يونيسكو" و"الإنتربول". ودعا إلى تشكيل وحدة متخصصة لاسترداد التراث بالتنسيق مع الشرطة الدولية، مؤكدًا أهمية حماية الملكية الفكرية للآثار السودانية.

أضرار محدودة وآمال معلقة

وفي دار الوثائق القومية، اقتصرت الأضرار على البوابة الجنوبية وبعض المكاتب الإدارية، بينما نجت الوثائق الرئيسية رغم تشتتها. وطالب المخرج الطيب صديق بتكثيف التنسيق مع القوات النظامية لضمان حماية ما تبقى من التراث، محذرًا من مخاطر الإهمال.

ويواجه التراث السوداني اليوم تهديدًا غير مسبوق، حيث تحولت الحرب إلى أداة لتشتيت تاريخ الأمة وبيعه في أسواق الظل. ومع تصاعد الجهود الرسمية والشعبية لاستعادة ما سُرق، تبقى آمال السودانيين معلقة على استعادة هويتهم الثقافية من براثن النهب والدمار.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق