بالمعطيات المتاحة، وشواهد الواقع، مصر تقف وحيدة أمام أكبر تحد ربما يعصف بأقدم قضية للتحرر الوطني في العصر الحديث والمعاصر.
العرب منقسمون ما بين مهرولين نحو التطبيع، وطوافون في رحاب البيت الأبيض، وآخرون باحثون عن زعامة لا أصل لها إلا عبر شركات العلاقات العامة، وآخرون تتقطعهم حروب أهلية يؤجج نيرانها أطراف عربية، وآخرون منغلقون على أنفسهم لا تسمع لهم إلا نوبات من التنظير.
"قطر جيت"، أو سمها كما شئت، ليست طعنة في خاصرة شريك الوساطة (مصر)، بل هي في البدء متاجرة بدماء آلاف الشهداء الفلسطينيين الذين يسقطون كل دقيقة على يد آلة الإجرام الصهيونية.
ليس عيبا الترويج لسياسات الدول، وتبيض صورتها بعشرات من شركات العلاقات العامة، ومراكز الضغط، والتأثير على الرأي العام الخارجي. لكن خطأ تلك الدول في تصديق تلك الدعاية، والاعتقاد من كثرة تكرارها أنها حقيقة، ومؤشر على القيادة والزعامة.
رفع حظر النشر عن قضية "قطرجيت"، وصدور قرار بتوقيف اثنين من مساعدي نتنياهو، يطرح جملةَ تساؤلاتٍ منطقية.
ما الذي استهدفته قطر من بث رسائل إيجابية بشأن وساطتها بخصوص الحرب على غزة وقضية الأسرى الإسرائيليين؟
وما هدفها من بث رسائل سلبية عن الدور المصري في الوساطة؟
ربما تكون إجابة السؤال الأول، في كون قطر تريد ترك انطباعا إيجابيا عنها في الداخل الإسرائيلي! وهو شأنها، فضلا عن الانطباع الحسن عنها لدى الإدارة الأمريكية، رُغم طابعها الأهوج الحالي.
لكن يبقى التساؤل، ما الذي تحقق من وراء ذلك؟
لا أنت بيضت سمعتك في أوساط دولة الاحتلال، ولا كنت قادرا على وقف آلة الحرب الغاشمة.
العكس هو الصحيح؛ كنت مادة هجوم من قبل وزراء اليمين المتطرف، بوصفك من تمول الإرهاب، وتأوي عناصره بمكتب للتواصل السياسي.
ثم ما معنى التعاون العسكري مع المحتل، وهو من أسقط ما يربو عن 52 ألف شهيد فلسطيني، غاليتهم من الأطفال والنساء، فضلًا ألاف المفقودين والشهداء؟
ازدواجية تخلق ارتباكًا لدى المواطن. وتبريرات لا تزيد الأمر إلا تشويهًا.
مناورات "إينيواخوس 2025" الجوية التي تستضيفها اليونان في قاعدة أندرافيدا الجوّية. تشارك فيها (قطر والإمارات) جنب إلى جنب مع إسرائيل وأمريكا.
تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يدين المجازر الإسرائيلية ويدعو لنصرة الشعب الفلسطيني.
حري بالدولتين العربيتين أن ترفضا المشاركة في هذه المناورة؛ فما معنى أن تُدين الاحتلال لفظيًا، وفي المقابل تنخرط في تعاون عسكري مباشر معه.
أن تستهدف قطر شريكها في الوساطة بالتقليل من دوره عبر تلك الشركات عوار.
فشريكها في الوساطة، من بني جلدتها وشقيقها في العروبة، وغايته وقف شلال الدماء الفلسطيني، ومنع تهجير المستضعفين في غزة. وهو من قدم مبادرات حقيقية لوقف إطلاق النار فضلا عن ورقة الإعمار بدون تهجير.
الأزمات والأوضاع الصعبة لا تُغيير من حقائق التاريخ، ولا تٌبدلَ من أوراق اللعبةِ ولا خيوطها.
إن الإيمان بالقدرات، وحسن استخدام الإمكانيات حتى وإن كانت محدودة، والاعتزاز بالإرث التاريخي في الدفاع عن قضايا الأمة، والقدرة على التأثير، والقول (لا) في وجه المستعمرين الجدد، لا يمكن أن تخلقه مئات من شركات العلاقات العامة، وتبيض السمعة.
لا أحد سينجو بمفرده؛ فالهجمة مرتدة وشرسة، وأطماع المستعمرين الجدد لا حدود لها، وقدرتهم على الابتزاز فاقت التصورات، والعمل الجماعي سبيل الخلاص.
نفي قطر الرسمي لن يمحو غصة عندنا في الصدر، فما تحمله قُلوبهم تعرفه في لحن قولهم على شاشاتهم الأكثر نفاذا، فجُلّ خطابهم لا يخلو من همزٍ ولمزٍ.
صمت القاهرة قوة. فالوقت لا يحتمل مثل هذه تلاسنات. فمصابنا عظيم، والدماء تسيل.
المفاوض المصري دأب على العمل في صمت.
حتى الأهداف التي يحققها، وينتزعها من المحتل الإسرائيلي، لا يهتم بالترويج لها؛ رغم أن ما يراه انتصارا هامشيا في مقابل هدفه الأكبر، وهو إقامة دولة فلسطينية على خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشريف، يعجز عن تحقيقه معظم المتاجرين بالقضية الفلسطينية.
حري بالقاهرة أن تروج لما تحققه من انتصارات لصالح فلسطين، وقضايا العرب. فالعمل في صمت لا يلبي في أغلب الأوقات طموحات الداخل الذي يطُوق لانتصارات تشفي صدور قوم مؤمنين.
0 تعليق