يشكل الاحتياطي النقدي الأجنبي أحد أهم مؤشرات الاستقرار الاقتصادي، ويعكس قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية ومواجهة الأزمات العالمية، وفي ظل مشهد اقتصادي متغير، يواصل الاحتياطي النقدي لمصر تسجيل أرقام غير مسبوقة، مدفوعًا بإصلاحات مالية واستثمارات استراتيجية عززت من تدفق العملات الأجنبية.
قفزات قياسية في الاحتياطي النقدي الأجنبي
وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري، ارتفع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي ليصل إلى 47.265 مليار دولار بنهاية يناير 2025، مقارنة بـ47.109 مليار دولار في ديسمبر 2024، هذا الارتفاع، الذي يُضاف إلى سلسلة مكاسب مستمرة، يعكس نموا بنسبة 34% خلال عام 2024، بعدما كان الاحتياطي عند مستوى 35.22 مليار دولار بنهاية 2023.
أما عن مصدر الاحتياطي النقدي، فأنه يتكون من مصادر متعددة، أبرزها العملات الأجنبية، التي بلغت قيمتها 35.821 مليار دولار في يناير 2025، بالإضافة إلى الذهب الذي شهد زيادة ملحوظة ليصل إلى 11.416 مليار دولار، مستفيدًا من ارتفاع الأسعار العالمية، أما حقوق السحب الخاصة، فقد ظلت عند مستوى مستقر بلغ 31 مليون دولار.
الاحتياطي النقدي الاجنبي.. من التراجع إلى الانتعاش

على مدار العقد الأخير، شهد الاحتياطي النقدي المصري تقلبات حادة، إذ انخفض في 2016 إلى 19 مليار دولار بفعل الأزمات الاقتصادية، قبل أن يستعيد عافيته مدعوما بتحرير سعر الصرف وبرامج الإصلاح الاقتصادي.
ورغم التحديات التي فرضتها الأزمة الروسية الأوكرانية عام 2022، والتي تسببت في تراجع الاحتياطي إلى 33.14 مليار دولار، عاد ليسجل نموا ملحوظا خلال 2023، وواصل الارتفاع بقوة خلال عام 2024.
وهناك عدة عوامل أسهمت في هذا الصعود الكبير للاحتياطي النقدي، أبرزها:
- الاستثمارات الأجنبية، حيث لعبت الصفقات الاستثمارية الكبرى، مثل اتفاقية تطوير منطقة "رأس الحكمة" مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار، دورا رئيسيا في دعم الاحتياطي، كما عزز إصدار سندات "الساموراي" اليابانية وسندات "الباندا" الصينية بقيمة إجمالية بلغت مليار دولار من تدفقات العملة الصعبة.
- تحويلات المصريين بالخارج، والتي ارتفعت إلى 31.8 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، بزيادة 70% عن العام السابق.
- انتعاش قطاع السياحة، حيث استعاد نشاطه بقوة، محققا إيرادات بلغت 15 مليار دولار خلال 2024، في ظل ارتفاع أعداد الزائرين.
- نمو الصادرات، والتي بلغت قيمتها 41 مليار دولار، مع توجه الحكومة نحو تحقيق 100 مليار دولار بحلول 2030.
- ارتفاع إيرادات قناة السويس، بالرغم من التوترات الجيوسياسية، إلا أن القناة سجلت دخلا قياسيا بلغ نحو 9 مليارات دولار في 2024.
ما قيمة الاحتياطي النقدي الصافي في مصر؟

رغم الارتفاع القياسي، يثير هيكل الاحتياطي تساؤلات حول مدى استدامته، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 60% منه يتكون من ودائع خليجية طويلة وقصيرة الأجل، تقدر بنحو 28 مليار دولار.
وهذا يعني أن الاحتياطي الفعلي بعد استبعاد الودائع قد يكون أقل من 20 مليار دولار، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد المصري على الاحتفاظ بمعدلات النمو الحالية حال انسحاب بعض هذه الودائع أو عدم تجديدها.
تحديات صعبة في مواجهة الاحتياطي النقدي
ويلعب الاحتياطي النقدي دورا أساسيا في الحفاظ على استقرار الاقتصاد المصري، إذ يغطي حاليا 8.5 أشهر من الواردات السلعية، متجاوزا الحد الأدنى العالمي (3 أشهر)، كما يدعم قدرة الدولة على سداد التزاماتها المالية، حيث تم تسديد 38 مليار دولار من الديون خلال 2024.
لكن التحديات لا تزال قائمة، وأبرزها:
- الاعتماد على الودائع الخارجية، ما يهدد الاستدامة المالية حال تقلص هذه التدفقات.
- التضخم المرتفع، الذي تجاوز 30% في 2024، مما يرفع تكلفة المعيشة ويؤثر على القدرة الشرائية.
- الديون الخارجية الضخمة، التي بلغت 165 مليار دولار، وتتطلب استراتيجيات مستدامة للإدارة والتقليص.
إلى أين يتجه الاحتياطي النقدي في 2025؟

يتوقع الخبراء استمرار نمو الاحتياطي ليصل إلى 50 مليار دولار بحلول نهاية 2025، بدعم من استثمارات أجنبية مباشرة تجاوزت 46 مليار دولار في 2024، إلى جانب خطة حكومية لتخفيض الدين الخارجي بمقدار 20 مليار دولار بحلول 2026.
كما تعمل الحكومة المصرية على توسيع صادراتها للخارج من خلال توقيع اتفاقيات تجارة جديدة مع الأسواق الآسيوية والأفريقية من أجل زيادة الصادرات لمختلف الأسواق العالمية.
ومما لا شك فيه، فقد حقق الاحتياطي النقدي الأجنبي في مصر قفزات قياسية، مدعوما بإصلاحات اقتصادية وسياسات نقدية مرنة، إلا أن التركيبة الهيكلية له تفرض تحديات تتطلب حلولا طويلة الأمد.
فبينما يمنح الاحتياطي المرتفع مصر قدرة أكبر على مواجهة الأزمات، فإن تعزيز مصادر التمويل المستدامة، وتقليل الاعتماد على الودائع الخارجية، سيكونان المفتاح الحقيقي للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في السنوات المقبلة، فهل تنجح الحكومة المصرية في تعزيز مصادر التمويل المستدامة للاحتياطي النقدي الأجنبي؟.. هذا ما ستجيب عنه الأشهر المقبلة.
0 تعليق