د. محمد فؤاد يكتب: "ميران" عقل ترامب الاقتصادي.. ماذا وراء الرسوم الجمركية؟

الرئيس نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حينما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض تعريفات جمركية قلبت موازين التجارة العالمية، لم يكن يتحرك مدفوعًا بنزعة انعزالية عابرة أو يغامر بخطوة مرتجلة، بل كان يترجم رؤية أيديولوجية متكاملة تبلورت في الكواليس على يد مجموعة ضيقة من المستشارين الذين رسموا ملامح ما يمكن تسميته بـ"عقل ترامب"، ويبرز وسط هؤلاء المستشارين "ستيفن إيرا ميران"، رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، بوصفه العقل الاقتصادي لما يحدث، وفيما يلي سوف أحاول الاقتراب مما طرحه هذا الرجل أفتش في خلفياته الفكرية وأفكك دوافعه، علّنا نفهم كيف تتحول قناعات شخصية إلى زلازل اقتصادية تهز الأسواق وتعيد تشكيل النظام العالمي.

ففي أحدث أوراق "ميران" البحثية التي نُشرت في نوفمبر الماضي، والمعنونة بـ"دليل المستخدم لإعادة هيكلة نظام التجارة العالمي"، يعرض ميران تصورًا متكاملًا لإعادة صياغة قواعد التجارة الدولية من جديد، حيث يقدم سياسات جمركية تستهدف ليس فقط جلب الإيرادات، بل الدفع نحو استعادة الدور الصناعي الأمريكي، الذي تراجع كثيرًا لصالح قوى صاعدة كالصين.

الأزمة في تقديره تكمن في الإقرار بوجود اختلال بنيوي عميق في النظام النقدي العالمي، يتمثل في موقع الدولار الأمريكي كعملة احتياطية دولية، وهو امتياز تاريخي حوّل الولايات المتحدة إلى مزود دائم للسيولة العالمية عبر عجزها التجاري، لكنه في المقابل أبقى الدولار مرتفعًا بشكل مزمن، وقلّص من القدرة التنافسية لصادراتها الصناعية، ودفع باتجاه تفريغ اقتصادي واجتماعي داخل القطاعات الإنتاجية الأميركية.

ولتفسير هذا الخلل، استعان ميران بمفهوم "معضلة تريفين"، وهو مفهوم يوضح التناقض بين دور الدولار كعملة عالمية وبين حاجة أميركا إلى الحفاظ على توازنها الاقتصادي الداخلي، فحتى يظل الدولار عملة العالم، يتوجب على الولايات المتحدة أن تستمر في تصدير السيولة من خلال العجز التجاري، الأمر الذي يُضعف الصناعة ويزيد من الديون ويقوض تدريجيا القدرة الذاتية على النمو، أي أن هذا "الامتياز الباهظ"، قد تحول إلى "عبء ثقيل" يستمر في الزيادة.

بتوضح أكثر -حسب رؤيته-، فإن وفرة الطلب على الدولار تشبه "المرض الهولندي" ولكن بنسخة أميركية، فكما أن تدفق الثروة المفاجئ (كالنفط) يرفع قيمة عملة البلد ويضر بصادراته الصناعية، فتدفق الأموال إلى السوق الأميركية يتسبب بارتفاع قيمة العملة، ما يؤدي إلى ضرب القاعدة الصناعية وتفريغ الاقتصاد الحقيقي، وهو ما دفع النموذج الأميركي لتصدير الأصول المالية واستيراد السلع، ما أنتج تكدّس الأرباح في وول ستريت وتآكل فرص العمل في ديترويت وغيرها من المدن الصناعية، وهو وضع يرى ميران أنه لا يمكن تركه يتفاقم أكثر من ذلك.

ومن هذا المنطلق، لم تكن خطوة ترامب في فرض الرسوم الجمركية سوى تنفيذ مباشر لحلول اقترحها ميران في ورقته، حيث يُنظر إلى هذه الرسوم باعتبارها أداة مزدوجة، تفرض ضغطًا مباشرًا على المنافسين التجاريين وتنعش إيرادات للدولة، ومن جهة أخرى تُرغم الشركات الكبرى على إعادة توطين مصانعها واستثماراتها داخل الولايات المتحدة.

ومع ذلك، لا يُخفي ميران أن نجاح هذه السياسة مشروط بعدم انزلاق الشركاء التجاريين إلى ردود فعل انتقامية واسعة، لذا فهو يطرح التعريفات الجمركية بوصفها وسيلة ضغط مرحلية لفرض مفاوضات، لا هدفًا نهائيًا في حد ذاته، كما أن خطوة التحرك الجمركي لا تنفصل عن مقاربة ميران لمسألة سعر الصرف، حيث يرى ضرورة مراجعة سياسة "الدولار القوي" التي تبنتها الإدارات السابقة، مع إبداء انفتاح واضح على إضعاف قيمة الدولار كإجراء داعم للقطاع الصناعي.

وعليه، فالهدف النهائي الذي يرسمه ميران لا يقف عند حدود الرسوم أو التفاوض، بل يمتد إلى إعادة هندسة العلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى، عبر فرض شروط صارمة تشمل رفع قيمة عملات تلك الدول مقابل الدولار، وزيادة الاستثمارات الصناعية في الداخل الأميركي، بل وحتى قبول تمويل طويل الأجل عبر شراء سندات أميركية عديمة الفائدة، ففي تقديره هذه هي الوسيلة الوحيدة لاستعادة التوازن الاقتصادي الذي يضمن لأميركا ازدهارًا طويل الأمد.

855.jpg

ومع ذلك، تبقى هذه الرؤية محل جدل، إذ يرى كثيرون أن الوضع أقل تعقيدًا مما يوصفه "ميران" ويذهبون إلى أن قرارات ترامب لا تعبّر عن استراتيجية كبرى، بقدر ما تعكس حسابات سياسية آنية ترتبط بالناخب الأميركي وسردياته الداخلية، ورغم هذا التناقض إلا أن النتيجة واحدة وهي أن الاقتصاد العالمي يعاد تشكيله، والتاريخ يُكتب تحت وقع قرارات تبدو مفاجئة وغير مدروسة ونتائجها غير مضمونة حتى على الاقتصاد الأمريكي ذاته خاصة وأنها ستكون رهينة بالظروف السياسية وردود الفعل الدولية.

بالطبع الأمور في الولايات المتحدة لا تمضي بسياسة التجربة والمصادفة، فكل خطوة تُحسب بدقة ضمن سياق استراتيجي، وعليه فإن ما يجري ليس مجرد نزوة عابرة، بل توجه عميق تحكمه قناعات فكرية وتصورات اقتصادية متماسكة بدا واضحا أن "ميران" يقف خلفها.

و في تقديري فأن إطار عمل "ميران" يمثل الرابط بين الفكر "الشعبوي" الذي  يتبناه الرئيس الأمريكي والإجراءات التنفيذية في ولايته الجديدة. أي أنه غلاف مفاهيمي اقتصادي لنظرة سياسية تهدف لإعادة تشكيل النظام العالمي من جديد. حيث يروج "ترامب" لفكرته في "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" او MAGA استنادا لتراجع دور الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي وضرورة تغيير دورها من مجرد مُصدر للدولار إلى فاعل أساسي في التجارة والصناعة.

856.jpg
نسبة الناتج المحلي الأمريكي من الاقتصاد العالمي

ومع ذلك، يظل الواقع أكثر تعقيدًا من النظريات، خاصة في ظل التشابكات الدولية والحساسيات الجيوسياسية والمصالح المتعارضة وردود الفعل غير المتوقعة، وهنا يبرز تساؤل جوهري سيتكشف خلال الفترة القليلة القادمة: هل تمضي إدارة ترامب بالفعل على هذا النسق حتى منتهاه، بإعادة هيكلة شاملة للنظام التجاري والمالي العالمي؟.. أم أن الهدف الحقيقي يكمن فقط في رفع سقف الضغط التفاوضي قبل الجلوس إلى طاولة المساومات؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق