شهد المجتمع المغربي تحولات ملحوظة في أساليب التواصل بين الأفراد، حيث أصبح استخدام الألفاظ البذيئة وغير الأخلاقية شائعًا في التفاعلات اليومية، ويظهر ذلك في تزايد توظيف العبارات القبيحة في الحديث العادي بين شباب اليوم، فيما ترتفع حدّة البذاءة بشكل كبير في لحظات الاستفزاز والتوتر والغضب.
ويثير هذا التحوّل في أساليب التواصل من جيل إلى آخر، وبشكل خاص في ما يتعلق بالكلمات المستخدمة في الخطاب، تساؤلات حول الجوانب النفسية والصحية التي تؤثر في اختيار الأفراد كلمات قبيحة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، مع تساؤلات حول دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في تعزيز هذه الظاهرة أو التصدي لها.
التنفيس والاضطراب
ندى الفضل، معالجة وأخصائية نفسية إكلينيكية، قالت إن “ظاهرة انتشار الكلمات القبيحة في أحاديث الشباب اليوم يمكن تحليلها من زوايا مختلفة وفقًا لعلم النفس”، موضحة أن “استخدام الألفاظ البذيئة يعتبر نوعًا من التنفيس العاطفي، إذ يمكن أن يساعد في تخفيف التوتر والانفعال عند بعض الأشخاص”.
واستدركت الأخصائية ذاتها، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، قائلة: “مع ذلك عندما يصبح هذا السلوك عادة وليس مجرد رد فعل في مواقف محددة فقد يكون مؤشرًا على قلة الضبط الذاتي، أو غياب الوعي الاجتماعي، أو حتى تعبيرًا عن الإحباط والضغط النفسي”.
وأكدت الفضل أن “انتشار هذه الظاهرة ليس بالضرورة علامة على مشكلة نفسية خطيرة”، مضيفة أنه قد يكشف عن “انخفاض مستوى الذكاء العاطفي، ما يجعل الشباب أقل قدرة على ضبط مشاعرهم”، و”التأثر بالمحيط الاجتماعي، حيث يصبح الكلام البذيء عاديًا بسبب تأثير الأصدقاء أو وسائل التواصل الاجتماعي”.
وأشارت المعالجة النفسية ذاتها إلى أن “استعمال الكلام القبيح يحيل على التعبير عن الغضب أو التوتر بطريقة غير صحية بدلًا من البحث عن أساليب أكثر نضجًا”، مشددة على أنه “إذا تطور الأمر إلى استخدام مفرط ومصاحب لسلوكات عنيفة أو عدوانية فقد يكون ذلك إشارة إلى مشكلات أعمق، مثل اضطرابات الشخصية، وهنا يصبح التدخل العلاجي النفسي ضروريًا”.
وللحد من هذه الظاهرة أو معالجتها ذكرت ندى الفضل أهمية “التوعية ورفع مستوى الوعي لدى الشباب حول تأثير الكلمات على العلاقات الاجتماعية والاحترام المتبادل”، و”تحسين مهارات ضبط النفس عبر تعليم الشباب كيفية التعامل مع الغضب والتوتر بأساليب أكثر إيجابية، مثل الرياضة أو التأمل”، و”القدوة الحسنة التي تفرض على الكبار، سواء في الأسرة أو في المجتمع، أن يكونوا قدوة في استخدام لغة محترمة ومهذبة”.
ونبّهت المعالجة والأخصائية النفسية الإكلينيكية، في السياق ذاته، إلى ضرورة “مراقبة المحتوى الإعلامي، عبر تقليل التعرض للمحتوى الذي يروج لهذا النوع من الكلام، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي”، و”تعزيز التواصل الإيجابي من خلال تشجيع الشباب على التعبير عن مشاعرهم بطرق بناءة وليس من خلال الكلمات القبيحة”، و”اعتماد التربية الجيدة والوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة الاحترام”.
الفرد والمجتمع
مصطفى السعليتي، أستاذ علم النفس الاجتماعي، قال إن “انتشار اللغة غير الأخلاقية بين الشباب والمراهقين يعكس حالة من العدوانية الاجتماعية وغياب الاحترام في التواصل اليومي”، معتبرا أن “هذه الظاهرة تشير إلى أزمة أخلاقية واجتماعية عميقة، إذ إنها لا ترتبط فقط بسلوك فردي، بل تعكس تغيرًا في القيم المجتمعية، حيث أصبحت العلاقات أكثر توترًا وعدوانية نتيجة تحولات ثقافية وتربوية متعددة”.
وأوضح المتحدث ذاته أن “تفسير هذه الظاهرة يستند إلى نظريات علم النفس الاجتماعي، التي تربط العدوانية بالإحباطات المتكررة في الحياة اليومية”، مضيفا أنه “كلما زاد الإحباط الناتج عن الأوضاع الأسرية أو المجتمعية زاد ميل الأفراد إلى استخدام لغة عنيفة وغير محترمة”، ومؤكّدا أن “غياب التنشئة السليمة على احترام القيم اللغوية أدى إلى ترسيخ هذه السلوكات العدوانية بين الشباب والمراهقين”.
وأشار السعليتي، في تصريح لهسبريس، إلى أن “هناك قوى خفية تعمل على ترسيخ ثقافة لغوية تبتعد عن الأخلاق والقيم الإيجابية، إذ تسهم بعض وسائل الإعلام والفنون في الترويج لاستخدام لغة غير لائقة، وهذا التأثير يؤدي إلى أزمة في النماذج المجتمعية، إذ أصبح الشباب يفتقرون إلى قدوات إيجابية يمكن أن تؤثر في سلوكهم، ما يعزز انتشار الخطاب العدواني بينهم بشكل طبيعي”.
وأكد الأستاذ الجامعي ذاته أن “المجتمع المغربي يشهد ضعفًا في الرقابة الاجتماعية، ما يساهم في ترسيخ ثقافة النجاح القائم على المكاسب المادية بدلًا من الأخلاق والقيم”، موردا أن “هذا الوضع يخلق بيئة خصبة لانتشار السلوكات العدوانية واللغة العنيفة، حيث أصبح الأفراد يُقيّمون بناءً على ما يملكون وليس على سلوكهم، ما يؤدي إلى تراجع كبير في مستوى الأخلاق داخل المجتمع”.
ونبّه أستاذ علم النفس الاجتماعي إلى أن “ضعف المراقبة الأسرية، إضافة إلى غياب دور المدرسة في التربية الأخلاقية، يزيد من تفشي هذه الظاهرة”، منبّها إلى أن “النظام التعليمي يركز اليوم على التميز الدراسي فقط، متجاهلًا المشروع التربوي الشامل الذي كان يساهم في غرس القيم السليمة، ونتيجة لذلك أصبحت المدارس تساهم في انتشار الفوضى السلوكية واللغوية بدلًا من الحد منها”.
وأضاف مصطفى السعليتي أن “هناك تحولًا واضحًا في علاقة الأجيال باللغة والسلوك الأخلاقي، إذ لم يعد هناك فارق كبير بين لغة الآباء والأبناء”، مشيرا إلى أنه “في الماضي كان الكبار يحرصون على ترسيخ القيم الأخلاقية واللغوية، أما اليوم فأصبح الجميع يستخدمون المصطلحات غير اللائقة نفسها، ما جعل هذه اللغة أمرًا طبيعيًا داخل الأسر، وأسهم في انتشارها الواسع داخل المجتمع دون رقابة أو استنكار”.
ودعا السعليتي، في ختام توضيحاته، إلى ضرورة “مراجعة دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتعزيز مسؤولية الإعلام في توجيه الشباب نحو قيم الاحترام والتواصل السليم”، مشددا في الوقت ذاته على “أهمية إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية داخل المدارس، وإشراك الأسر في هذا المسار لضمان تربية متكاملة”، ومؤكّدا أن “معالجة هذه الظاهرة تتطلب وعيًا مجتمعيًا شاملًا لمنع انتشار ثقافة لغوية وسلوكية تهدد التماسك الاجتماعي”.
0 تعليق