ضوابط التعامل مع الرؤى في الشريعة
أكد إمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد، أن علم تعبير الرؤى يعد علماً شرعياً له ضوابطه الدقيقة، مشدداً على عدم جواز الإقدام على تفسيرها بغير علم. وأوضح في خطبته بالمسجد الحرام أن الرؤيا بمثابة فتوى لا يتحدث فيها إلا أهل الاختصاص، محذراً من تعلق النفوس البشرية بمعرفة الغيب عبر المنجمين والكهان، وهو ما يعد مخالفاً لتعاليم الدين، مستشهداً بحديث النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".
وأشار الشيخ ابن حميد إلى أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، مؤكداً أن أصدق الناس رؤيا في المنام هم أصدقهم لهجة في اليقظة. كما نقل عن ابن القيم -رحمه الله- أن الرؤيا أمثلة مضروبة يستدل بها الرائي على نظيرها، ولهذا سمي تأويلها تعبيراً. وشدد على أن تعبير الرؤى اجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب، ولا ينبغي الجزم به، مستشهداً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر الصديق حين عبر رؤيا: "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا".
تصنيف الرؤى وآداب التعامل معها
صنف الشيخ ابن حميد الرؤى إلى ثلاثة أنواع رئيسية، موضحاً كيفية التعامل مع كل منها:
- الرؤيا الصالحة: وهي من الله وجزء من النبوة، وتعد بشرى للمؤمن. وأوصى بأن من رأى ما يحب فليحمد الله وليستبشر بها، ويخبر بها من يحب من أهل العلم والفضل، مؤكداً أنها باعث خير وطمأنينة، ويستأنس بها ولا يستند إليها في الأحكام.
- رؤيا الشيطان: وهي ما يكرهه المسلم في منامه، ووجه فيها بالاستعاذة بالله من الشيطان ثلاثاً، والنفث عن اليسار، والتحول عن الجنب الذي كان عليه، مع عدم الحديث عنها لأحد.
- حديث النفس: وهي ما يراه الإنسان نتيجة انشغاله بأمور حياته اليومية كالدراسة أو العمل أو مشكلات الأسرة، وتعرف بأضغاث الأحلام.
الرؤى ليست مصدراً للتشريع
شدد إمام المسجد الحرام على أن الرؤى الصالحة لا تعد مصدراً للتلقي أو التشريع، ولا يترتب عليها تحليل أو تحريم، مؤكداً أن الوحي قد انقطع بوفاة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أتم الله الدين. وأوضح أن الرؤيا الصالحة وسيلة للبشرى والتوجيه وليست وسيلة لإثبات الأحكام الشرعية، حيث إن الدين قد اكتمل بوفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
كما حذر الشيخ ابن حميد بشدة من الكذب في الرؤيا، معتبراً إياه من كبائر الذنوب؛ لأنه كذب على الله بادعاء رؤية ما لم يره الإنسان، مشيراً إلى أن الكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين. واختتم بالتأكيد على أن من أراد أن تصدق رؤياه فعليه بتحري الصدق في حياته، وأكل الحلال، والمحافظة على أوامر الله، واجتناب نواهيه، والإكثار من ذكر الله، مع ضرورة اختيار المعبرين الذين يتسمون بالنزاهة والأمانة والعلم الراسخ.
