أزمة مائية تعيق حركة الملاحة العالمية
تستعد هيئة قناة بنما لخفض عمليات عبور السفن تدريجياً خلال شهر سبتمبر المقبل، وذلك في ظل انخفاض حاد في معدلات هطول الأمطار وتراجع منسوب المياه في بحيرتي غاتون وألاخويلا الاصطناعيتين. وتأتي هذه الأزمة نتيجة التأثيرات المباشرة لظاهرة "إل نينيو" المناخية، التي تسببت في تغيرات جوهرية في أنماط الطقس والضغط الجوي، مما يهدد بحدوث تكدس كبير للسفن عند مداخل القناة التي تعد شرياناً حيوياً للتجارة الدولية.
تعتمد القناة في تشغيلها على مياه الأمطار المخزنة، وتؤدي ظاهرة "إل نينيو" التي تتكرر كل عامين إلى سبعة أعوام إلى ارتفاع حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ، مما يقلص الموارد المائية المتاحة. وأكد ريكورتي فاسكيز، مدير قناة بنما، أن الهيئة اكتسبت انضباطاً في التعامل مع هذه الظروف الصعبة بناءً على تجارب عامي 2023 و2024، مشيراً إلى أن سعة العبور ستظل مقيدة للتعامل مع ما وصفه بـ "المجهول" المناخي.
إجراءات تقنية لترشيد استهلاك المياه
تطبق إدارة القناة نظام هويس متطوراً يهدف إلى ترشيد استهلاك المياه، حيث يستهلك المسار الجديد حوالي 200 مليون لتر لكل سفينة مقارنة بـ 500 مليون لتر في النظام القديم. ومع ذلك، فرضت حدة الجفاف قيوداً إضافية، أبرزها تقليص "غاطس السفن"، وهو العمق الذي تحتاجه السفينة لتطفو بأمان، مما يلزم الشركات بتقليل حمولاتها لضمان العبور دون حوادث.
تؤدي هذه القيود إلى زيادة فترات الانتظار للسفن التي لا تملك حجوزات مسبقة، حيث تعتمد تسع من كل عشر سفن على نظام الحجز المسبق، بينما تُباع المساحات المتبقية عبر مزادات علنية. وقد أدت التوترات الجيوسياسية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، إلى زيادة الطلب على مسارات العبور، مما رفع تكاليف المزادات لتصل في بعض الحالات إلى 4 ملايين دولار للعطاء الواحد، مقارنة بمتوسط 135 ألف دولار قبل تصاعد التوترات.
تداعيات اقتصادية وجدل حول السيادة
تعد القناة ممراً استراتيجياً يمر عبره أكثر من 40% من السلع الاستهلاكية بين شمال شرق آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة، ببضائع تقدر قيمتها بنحو 270 مليار دولار سنوياً. وتحذر تقارير متخصصة من أن استمرار هذه الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن العالمي، مما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الاستهلاكية والوقود مثل الغاز الطبيعي المسال.
في سياق متصل، برز جدل سياسي حول إدارة الممر المائي، حيث انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2025 اتفاقية تسليم القناة، واصفاً إياها بـ "الهدية الحمقاء". ورد رئيس بنما، خوسيه راؤول مولينو، بالتأكيد على أن القناة ستظل خاضعة للسيادة البنمية بحياد دائم، نافياً أي تدخل أجنبي في إدارتها، ومشدداً على أن المياه التي تغذي القناة توفر أيضاً احتياجات نصف سكان بنما البالغ عددهم 4.2 مليون نسمة.
البحث عن بدائل ملاحية
على الرغم من البحث عن مسارات بديلة، لا تزال قناة بنما تحتفظ بأهميتها الاستراتيجية الفريدة التي توفر مسافة 7000 ميل بحري حول أمريكا الجنوبية. وتواجه البدائل المقترحة تحديات لوجستية وبيئية كبيرة:
- الممر الشمالي الغربي: يواجه قيوداً مناخية حادة، حيث لا يفتح للملاحة إلا لأشهر قليلة خلال موسم ذوبان الجليد.
- الطريق البحري الشمالي: بدأت بعض الشركات، مثل شركة "سي ليجند" الصينية، في استخدامه كمسار تجريبي، لكنه يظل خياراً محدود النطاق مقارنة بكفاءة القناة.
وتؤكد المعطيات الحالية أن القناة، التي افتتحت عام 1914، تظل الممر الأكثر كفاءة لنقل أكثر من 423 مليون طن من البضائع سنوياً، مما يجعل أي اضطراب في عملها تحدياً عالمياً يتجاوز حدود بنما الجغرافية.
