استراتيجية الردع وتحالفات المنطقة
تواجه المملكة العربية السعودية تحديات أمنية متزايدة في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف بنيتها التحتية ومصالحها الاقتصادية، مما دفع الرياض إلى تكثيف تحركاتها لبناء تحالفات دفاعية إقليمية. تهدف هذه الخطوات إلى ردع الخصوم وحماية الممرات التجارية، مع الحفاظ على مسار دبلوماسي يمنع الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع تؤججه التوترات بين إيران والولايات المتحدة. وتأتي هذه التحركات في وقت يرى فيه محللون ودبلوماسيون أن ضبط النفس السعودي فُسّر من قبل بعض الأطراف كقبول ضمني بالاستهداف، مما جعل تعزيز القدرات الدفاعية أمراً ملحاً.
في إطار هذه المساعي، أعلنت المملكة عن تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر، بمشاركة 14 دولة حتى الآن، مع توقعات بانضمام أطراف أخرى. كما وقعت السعودية اتفاقية "مكة للدفاع المشترك" مع تركيا وباكستان، وهي خطوة تحمل أبعاداً رمزية قوية وتؤكد على التعاون العسكري بين الدول الإسلامية. وأوضح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن الاتفاقية تتطابق تقنياً مع المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، مشيراً إلى أن تفعيل الدعم العسكري يتطلب مشاورات مسبقة بين الأطراف المعنية لتحديد طبيعة التدخل.
التحديات الحدودية والرد العسكري
تظل الجبهة اليمنية الملف الأكثر حساسية للمملكة، خاصة بعد إنهاء الحوثيين لهدنة استمرت 4 سنوات الشهر الماضي، وإعلانهم فرض حصار بحري واستهداف منشآت نفطية سعودية. وتذكر هذه التطورات بأزمة عام 2019 التي أدت إلى انخفاض إنتاج النفط السعودي إلى النصف، مما يضع الرياض أمام اختبار صعب لحماية أمنها القومي. وفي سياق متصل، نفذت السعودية والولايات المتحدة قبل أسبوعين غارات جوية مشتركة استهدفت فصائل عراقية اتهمتها الرياض بالمشاركة في الهجمات على أراضيها، في أول رد عسكري علني للمملكة منذ اندلاع الحرب.
ويرى عزيز الغشيان، المحلل السعودي البارز، أن التطورات الحالية مقلقة للغاية، حيث يعتقد الخصوم أن المملكة لن ترد عسكرياً، مما يستوجب إيجاد وسيلة فعالة للردع. من جانبها، وصفت إيران الاتفاقية الدفاعية بأنها خطوة نحو التحرر من الاعتماد على القوى الخارجية، مؤكدة أنها لا ترى سبباً للقلق طالما أن الاتفاقية تحدد التهديدات بشكل صحيح. ومع ذلك، لا تزال الأدوار العملية للدول الموقعة على اتفاقية مكة أقل وضوحاً، حيث تسعى باكستان لتجنب المواجهة المباشرة مع إيران أو حلفائها رغم تعرض السعودية لمئات الهجمات.
موازنة دقيقة بين الأمن والاقتصاد
تضع هذه التطورات الرياض أمام معضلة حقيقية تتمثل في حماية طموحاتها الاقتصادية من دون التحول إلى طرف مباشر في حرب إقليمية شاملة. وتشير ياسمين فاروق، من مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن التحركات السعودية تمثل وسيلة لإرسال رسالة حازمة بعد استنفاد الخيارات الدبلوماسية، لكنها تظل بمثابة بالونات اختبار في الوقت الراهن. وتستمر الاجتماعات التنسيقية في مدينة جدة لترتيب التحالف البحري، وسط ترقب لمواقف الدول الأوروبية التي تدرس انضمامها بحذر، خشية التورط في تداعيات الصراع اليمني.
يبقى نجاح الاستراتيجية السعودية مرهوناً بقدرتها على حماية أراضيها وممراتها التجارية دون تجاوز الخطوط التي قد تجرها إلى مواجهة مفتوحة. وتواصل الرياض الموازنة بين تعزيز قدراتها الدفاعية وبين الحفاظ على الهدوء النسبي الذي ساد خلال فترات سابقة، مؤكدة أن أمنها القومي يظل أولوية قصوى في ظل منطقة تعاني من عدم الاستقرار. وتنتظر الأوساط السياسية التطورات الميدانية القادمة، خاصة مع استمرار التهديدات التي تستهدف حركة الشحن في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
