إرث حافظ الأسد ورهانات الدور الإقليمي
حكم حافظ الأسد سوريا لثلاثة عقود، بدأت من الحركة التصحيحية في 13 نوفمبر 1970 وصولاً إلى وفاته في 10 يونيو 2000. لم ينظر الأسد إلى الجولان كمجرد قضية جغرافية، بل ربط استعادته بمكانة سوريا كقوة إقليمية مركزية في المشرق العربي. كانت استراتيجيته تقوم على إدارة الصراعات بعيداً عن الأراضي السورية، مع الحفاظ على نفوذ قوي في لبنان والقضية الفلسطينية. سعى الأسد لدخول أي تسوية مع إسرائيل وهو يمتلك أوراق ضغط إقليمية، رافضاً التنازل عن هذا الدور مقابل استعادة الجولان وحده.
بعد حرب أكتوبر 1973، جاء اتفاق فض الاشتباك في 31 مايو 1974 ليعيد جزءاً من الأراضي، بينما بقيت معظم الهضبة تحت الاحتلال. وفي عام 1976، دخل الجيش السوري لبنان، مما عزز نفوذ دمشق السياسي والأمني. بنى الأسد نظامه على توازنات دقيقة تضمن بقاء سوريا في مركز المعادلة الإقليمية، معتبراً أن السلام لا يقاس فقط باستعادة الأرض، بل بما قد تخسره الدولة من دور وتأثير في حال التنازل عن أوراق قوتها.
مسارات التفاوض والتحولات الاستراتيجية
شهدت التسعينيات مساراً تفاوضياً جدياً، برزت خلاله ما عُرفت بـ وديعة رابين عام 1993، التي تضمنت استعداداً إسرائيلياً للانسحاب إلى خطوط 4 يونيو 1967. ورغم لقاء حافظ الأسد مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في جنيف بتاريخ 26 مارس 2000، إلا أن الخلافات حول الترتيبات الأمنية والوصول إلى بحيرة طبريا حالت دون إبرام اتفاق نهائي. رحل الأسد بعد أقل من ثلاثة أشهر من هذا اللقاء، تاركاً ملف الجولان معلقاً.
تغيرت موازين القوى بعد غزو الكويت عام 1990، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي، مما أضعف هامش المناورة السوري. ومع خروج الجيش السوري من لبنان في 26 أبريل 2005، بدأت مرحلة جديدة من الانكشاف الاستراتيجي. اندلعت الثورة السورية في مارس 2011، لتتحول البلاد إلى ساحة صراع دولي استنزفت الجيش والمؤسسات، مما دفع النظام للاعتماد المتزايد على حلفاء خارجيين، خاصة بعد التدخل الروسي في 30 سبتمبر 2015.
سقوط النظام وواقع سوريا في عهد الجولاني
تفاقمت الأزمات بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، الذي أضعف بنية ما كان يُعرف بـ "محور المقاومة". وفي 27 نوفمبر 2024، بدأت فصائل المعارضة هجوماً واسعاً أدى إلى سقوط حلب في 29 نوفمبر، وصولاً إلى دخول قوات المعارضة دمشق في 8 ديسمبر 2024. فرّ بشار الأسد إلى روسيا، منهياً بذلك حكم عائلة الأسد الذي استمر لأكثر من خمسة عقود.
تزامنت هذه التطورات مع تحركات إسرائيلية لتوسيع سيطرتها في جنوب سوريا ومحيط جبل الشيخ. وفي 26 يوليو 2026، أعلن أحمد الشرع (الجولاني) عن سعي دمشق لاتفاق أمني مع إسرائيل، في وقت استمرت فيه الضربات الإسرائيلية على مواقع عسكرية سورية، منها قاعدة أبو الظهور الجوية وبيت جن في أغسطس 2026. يطرح هذا الواقع تساؤلات تاريخية حول ما إذا كان رهان حافظ الأسد على الدور الإقليمي قد أضاع فرصة استعادة الأرض، أم أن سقوط سوريا في عهد الجولاني يمثل النتيجة الحتمية لفقدان أوراق القوة التي بُنيت عليها الدولة.
