مستقبل التمويل الدولي في ظل التوترات الإقليمية
تتزايد التساؤلات حول احتمالية لجوء مصر لطلب تمويل إضافي من صندوق النقد الدولي، في ظل التبعات الاقتصادية الناتجة عن الصراع الإيراني وتأثيراته على المنطقة. تباينت آراء أربعة خبراء اقتصاديين حول هذا الملف، حيث يرى فريق أن التمويل الجديد قد لا يكون ضروريًا في الوقت الراهن، مستندين إلى استمرار تدفقات النقد الأجنبي وتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية. في المقابل، يشير فريق آخر إلى أن هذا الاحتمال يظل قائماً، خاصة إذا استمرت التوترات الإقليمية وانعكاساتها على موارد النقد الأجنبي، مما قد يفرض ضغوطاً إضافية تستدعي البحث عن مصادر تمويل داعمة.
أكد مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في تصريحات سابقة، أن برنامج مصر مع الصندوق لا يزال مستمراً ويسمح بزيادة حجم التمويل إذا ظهرت حاجة لذلك. ومن جهتها، أوضحت المديرة التنفيذية للصندوق، كريستالينا جورجيفا، أن الصندوق لم يناقش مؤخراً زيادة برنامج القروض المصري البالغ 8 مليارات دولار. وأشار الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة إلى أن مصر لا تتفاوض حالياً مع الصندوق، مؤكداً أن البرنامج القائم يسير وفق جدوله الطبيعي، مع تبقي المراجعتين السابعة والثامنة خلال شهري يونيو ونوفمبر القادمين بقيمة إجمالية تبلغ نحو 2.5 مليار دولار.
التحديات الاقتصادية وتأثيرات الصراع
تسبب الصراع الإيراني في انسحاب جزئي للمستثمرين الأجانب من السوق المحلية، حيث قدّرت وكالة "موديز" تخارج الأجانب من أدوات الدين المصرية بنحو 8 مليارات دولار. كما أظهر تقرير البورصة المصرية الشهري أن صافي مبيعات المستثمرين في الأذون والسندات بلغ خلال مارس الماضي نحو 239.5 مليار جنيه. وأدى إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات في باب المندب إلى ارتفاع تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج، مما دفع الحكومة لرفع أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14% و17% لاحتواء تكلفة الدعم، خاصة أن الموازنة العامة بُنيت على سعر تقديري للنفط يدور حول 70 دولاراً للبرميل.
يرى عمرو الألفي، رئيس قطاع إستراتيجيات الأسهم بشركة ثاندر، أن الدولة قد تعتمد على حلول داخلية لتوفير العملة الأجنبية، مثل برنامج الطروحات الحكومية، بدلاً من اللجوء لتمويلات خارجية إضافية. وأشار إلى أن الحكومة سددت جزءاً كبيراً من مستحقات شركات البترول الأجنبية، متوقعاً الانتهاء من المتبقي البالغ نحو 900 مليون دولار قبل نهاية العام المالي الحالي. وأضاف أن برنامج صندوق النقد لا يهدف لسد فجوة تمويلية بقدر ما يمثل شهادة ثقة للاقتصاد، مشيراً إلى أن تثبيت التصنيف الائتماني لمصر يعكس انتفاء مخاطر سلبية كبيرة حالياً.
أداء الأسواق وتوقعات التضخم
توقع خبير أسواق المال، ريمون نبيل، أداءً انتقائياً لقطاعات البورصة المصرية، مع ترجيح تحسن أسهم العقارات والمالي غير المصرفي، واستمرار الاتجاه الصاعد للبنوك كمحرك رئيسي للسوق. وأشار إلى أن قطاع البتروكيماويات قد يستفيد من ارتفاع أسعار اليوريا عالمياً، مستبعداً حدوث هبوط حاد في مؤشر البورصة. وفيما يتعلق بالتضخم، توقع الألفي ارتفاع معدلاته خلال الفترة المقبلة نتيجة زيادة أسعار الوقود والكهرباء، مشيراً إلى أنها قد تتجاوز التقديرات السابقة وربما تسجل مستويات أعلى من متوسطات 2025 و2026 في حال استمرار الأزمة.
من جانبه، أوضح بدرة أن إجراءات الحكومة رشدّت الإنفاق لمواجهة صدمات الطاقة والغذاء، مما حدّ من التداعيات الاقتصادية وقلل الحاجة لتمويلات طارئة. وأشار إلى أهمية مطالبة مصر بتعويضات عن الأضرار الاقتصادية، لا سيما تراجع إيرادات قناة السويس. بينما حذر خبير اقتصادي آخر، طلب عدم ذكر اسمه، من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض من الأسواق الدولية، مما قد يخلق فجوة تمويلية تدفع الحكومة للبحث عن مصادر تمويل إضافية في ظل الضغوط على موارد النقد الأجنبي.
