مستهدفات الموازنة العامة لخفض الدين
تضع الحكومة المصرية خطة طموحة لخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 78.1% بحلول العام المالي 2026-2027، وفقاً لما أعلنه وزير المالية أحمد كجوك. يأتي هذا المستهدف في وقت بلغ فيه إجمالي دين أجهزة الموازنة العامة للدولة نحو 15 تريليون جنيه بنهاية العام المالي 2024-2025. وتشير تحليلات البيانات الرسمية إلى أن نسبة إجمالي الدين إلى الناتج المحلي سجلت نحو 83.8% في يونيو 2025، مقارنة بذروتها التي بلغت 102.8% في عام 2016، بينما انخفضت نسبة الدين المحلي من 94.9% إلى 62% خلال الفترة ذاتها.
أوضح الدكتور فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد ومساعد المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي، أن موازنة العام المالي الحالي تعاني من عجز يُقدر بنحو 1.5 تريليون جنيه، حيث تبلغ الإيرادات 3.1 تريليون جنيه مقابل مصروفات تصل إلى 4.6 تريليون جنيه. وتستهدف موازنة 2026-2027 تحسناً هيكلياً عبر رفع الإيرادات إلى 4 تريليونات جنيه بنمو سنوي يقارب 30%، مقابل زيادة في المصروفات بنسبة 13.2% لتصل إلى 5.1 تريليون جنيه. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الانضباط المالي، بالتزامن مع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 21 تريليون جنيه، إلى تقليص العجز إلى 1.1 تريليون جنيه، مما يسهم في خفض نسبة الدين إلى الناتج.
التحديات الهيكلية ومسارات الإصلاح
تشير دراسة صادرة عن منتدى البحوث الاقتصادية عام 2019 إلى أن تراكم الدين في مصر يرتبط بشكل وثيق بالعجز الأولي وسياسات سعر الصرف والشفافية المالية، وليس فقط بالسياسة المالية. وقد أظهر تحليل بيانات الفترة من 2020-2021 إلى 2024-2025 أن الدين الخارجي المقوم بالجنيه كان المحرك الأسرع للنمو الاسمي للدين، حيث تضاعف ثلاث مرات، بينما زاد الدين المحلي بنحو 1.4 ضعف فقط. وتؤكد دراسة حديثة صادرة عن جامعة دمياط في 2024، باستخدام نموذج "DIGNAR"، إمكانية خفض نسبة الدين إلى الناتج بنحو 2.6% بحلول عام 2026، مع التوصية بضرورة كبح التضخم وإعادة هيكلة الديون والتركيز على الاستثمارات الإنتاجية.
من جانبه، أكد الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن استدامة خفض الدين تتطلب تقليل الاعتماد على القروض الخارجية وتعبئة الموارد المحلية عبر أدوات ادخارية تمتص السيولة وتوجهها لتمويل الاقتصاد. وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في زيادة القدرة التصديرية للمنتجات الصناعية ذات القيمة المضافة لتغطية احتياجات السوق المحلية أولاً ثم التوسع في التصدير. كما نوه بأن سعر الصرف الحالي يعكس الأوضاع الواقعية إلى حد كبير، لكنه يظل عرضة للصدمات الجيوسياسية التي تؤثر على تكلفة الواردات وتدفقات النقد الأجنبي.
الاستثمار الأجنبي كركيزة للاستقرار
يجمع الخبراء على أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل الخيار الأكثر استدامة لتمويل الاقتصاد دون إضافة أعباء ديون جديدة، شريطة توفير بيئة استثمارية مستقرة. وأشار مصدر اقتصادي مطلع إلى أن التغيرات الجيوسياسية العالمية قد تمنح مصر فرصاً لتعزيز دورها كمركز لوجستي للطاقة، خاصة في مجال الطاقة المتجددة. وتدعم هذه الرؤية دراسة للجامعة الأمريكية بالقاهرة في 2024، التي حذرت من أن زيادة الإنفاق الحكومي قد تخفض الدين في الأجل القصير لكنها ترفعه على المدى الطويل، مؤكدة أن زيادة الضرائب تظل أداة فعالة لخفض نسبة الدين إلى الناتج بشرط التنسيق الدقيق بين السياسات المالية والنقدية.
