أزمة اكتشاف المواهب في مصر: هل تغني المشاريع عن الكشافين؟

أزمة اكتشاف المواهب في مصر: هل تغني المشاريع عن الكشافين؟

تعدد المبادرات الرسمية وغياب النتائج الملموسة

شهدت السنوات الأخيرة إطلاق نحو 7 مشروعات ومبادرات رسمية لاكتشاف مواهب كرة القدم في مصر، في محاولة لمحاكاة تجارب عالمية وتكرار نجاحات احترافية، كان أبرزها مشروع "الألف محترف" الذي أُعلن عنه في سبتمبر 2018 بتكليف من رئاسة الجمهورية. ورغم ضخامة الأرقام المتعلقة بالمشاركين، التي تشمل قاعدة واسعة من بين 39 مليون شاب وطفل تحت 18 سنة، إلا أن النتائج لم ترقَ إلى مستوى الطموحات في تقديم جيل جديد من المحترفين، مما دفع المسؤولين، وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، للتأكيد على ضرورة وجود كشافين متجردين للبحث عن المواهب الحقيقية التي تحتاج إلى الدعم.

تنوعت هذه المبادرات بين مشاريع مثل "كابيتانو مصر" و"ستارز أوف إيجيبت"، والتي ساهمت في انتقال أكثر من 150 لاعباً للأندية خلال ثلاث سنوات، وصولاً إلى بروتوكولات تعاون مع القطاع الخاص في 2025. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول استدامة هذه المشاريع، حيث تعثرت مبادرات سابقة مثل "الألف محترف" دون توضيح للأسباب، مما يترك المواهب الشابة في حالة من الانتظار للفرصة الحقيقية وسط غياب التخطيط طويل الأمد.

تراجع دور الكشاف وتحديات الأندية الشعبية

في الماضي، كانت شبكة الكشافين، وعلى رأسهم الراحل عبد المنعم حسن "عبده البقال"، تمثل العمود الفقري للأندية المصرية، حيث كانت تجوب الساحات الشعبية والمدارس لاقتناص المواهب مبكراً. كان "البقال" يكتشف أساطير مثل رفعت الفناجيلي وصالح سليم، وهو نهج اعتمدت عليه أندية الأقاليم لمواجهة هيمنة القطبين، تماماً كما تفعل الأندية العالمية الكبرى التي تقسم المناطق الجغرافية لاختبار آلاف اللاعبين سنوياً.

اليوم، تشتكي الأندية الشعبية، مثل جمهورية شبين، من نقص الدعم المادي وغياب المتابعة، مما يؤدي إلى ضياع مواهب واعدة لا تملك القدرة المالية على الالتحاق بالأكاديميات الخاصة أو تحمل تكاليف الاختبارات. ويؤكد المديرون التنفيذيون في هذه الأندية أن عشرات المواهب تُدفن يومياً بسبب عدم وجود فرصة حقيقية، حيث تحولت منظومة الاختبارات في كثير من الأحيان إلى وسيلة للتربح بدلاً من الانتقاء الفني، وسط اتهامات بفرض رسوم مالية على الناشئين مقابل القيد.

معوقات الاحتراف والطبقية في اللعبة

تنتشر انتقادات واسعة حول تحول منظومة اختبارات الناشئين إلى وسيلة للتربح، حيث يشير خبراء مثل إمام محمدين، الذي ساهم في تخريج قرابة 191 لاعباً دولياً، إلى أن الخلل يكمن في غياب التخطيط طويل الأمد للمنتخبات السنية وضعف البيئة الحاضنة للاعبين في مرحلة ما تحت 17 عاماً. ويرى المتخصصون أن الكرة أصبحت حكراً على القادرين مادياً، حيث تتجاوز تكاليف الأكاديميات والاشتراكات قدرة الأسر البسيطة، مما يغلق الباب أمام المواهب القادمة من القرى والأقاليم.

ويقترح إمام محمدين ضرورة وجود لجان فنية متخصصة يشرف عليها اتحاد الكرة في كافة المحافظات، لضمان اختيار المواهب بناءً على معايير فنية دقيقة بعيداً عن الصدفة أو المصالح المالية. إن الحل يكمن في استعادة دور الكشاف المحترف الذي لا يكتفي بالبحث عن المهارة، بل يتابع اللاعب بدنياً ونفسياً ويكسب ثقة أولياء الأمور، وهو نموذج يفتقده المشهد الحالي الذي يعتمد على الوكلاء الباحثين عن اللاعب الجاهز فقط.