قال عبد الله بوصوف، الخبير في العلوم الإنسانية، إن “العقد والعزم، منذ أول خطاب ملكي في 30 يوليوز 1999، كان على العمل المشترك والتلاحم غير المشروط بين العرش والشعب”، مشيرا إلى أن “إمارة المؤمنين هي ضامنة ممارسة الشعائر وحافظة للملة والدين”، ومضيفا أن “القرار الملكي بشأن الأضحية دليل على قوة الإنصات لنبض الشعب”.
وأكد بوصوف، في مقال له بعنوان “الأمانة العظمى ورفع الحرج في عيد المغاربة الكبير”، أن “القرار الملكي حكيم، والذاكرة الشعبية تحتفظ بالعديد من القصص المؤلمة لتضحيات الأسر المغربية في سبيل اقتناء أضحية العيد”، موضحا أن “جميع قرارات إمارة المؤمنين بعدم إقامة شعيرة الذبح جاءت تحت ضرورة دفع الضرر ورفع الحرج عن المكلفين من أبناء الشعب”.
نص المقال:
كان العقد والعزم، منذ أول خطاب ملكي في 30 يوليوز من سنة 1999، على العمل المشترك والتلاحم غير المشروط بين العرش والشعب على مواصلة البناء الجماعي لهذا الوطن، إذ جاء الخطاب ذاته مفعما بمشاعر إنسانية ووطنية عميقة عقب وفاة أبي الأمة الحسن الثاني طيب الله ثراه؛ فكانت البيعة والعروة الوثقى والمسؤولية العظمى، وكانت الأمانة العظمى وإمارة المؤمنين هي ضامنة ممارسة الشعائر وحافظة للملة والدين.
ومن منطلقات الأمانة العظمى، لم تعد تفاجئنا قرارات أمير المؤمنين في شق العقيدة والدين والدفاع عن النموذج المغربي للتدين المعتدل الوسطي. وإن قرار يوم 26 فبراير 2025 بخصوص إلغاء شعيرة ذبح أضحية العيد مع الإبقاء على الطقوس المعتادة، من صلاة وإنفاق وصلة الرحم، يعد دليلا آخر على قوة إنصات أمير المؤمنين محمد السادس شفاه الله لنبض الشعب في ظل أزمة مناخية تتميز بندرة التساقطات وأخرى اقتصادية بفعل تداعيات الحروب وخاصة أزمة الطاقة؛ مما أثر سلبا على الثروة الغابوية والحيوانية بالمغرب، خاصة قطيع الأغنام المفضل لدى المغاربة في عيدهم “الكبير”.
إن القرار الملكي وبكل موضوعية حكيم؛ لأنه تجاوز حسابات المغامرة بمستقبل الثروة الحيوانية وأرفق بجيوب أغلب المغاربة ذوي الدخل المحدود التي ضاقت من جراء هذه الأزمة الخانقة.
إن الذاكرة الشعبية تحتفظ بالعديد من القصص المؤلمة والوقائع الحقيقية لتضحيات العديد من الأسر المغربية في سبيل اقتناء أضحية العيد؛ من قروض ورهن أو بيع اضطراري وغير ذلك من حالات الطلاق والعنف الأسري، نظرا لوجود علاقة خاصة للمغاربة مع عيد الأضحى. لذلك، يطلقون عليه دون غيره “العيد الكبير” في علاقة تحكمها التقاليد والأعراف والسمعة بين الجيران والعائلة.
لذلك، عندما تدفع الظروف إلى عدم إقامة شعيرة الذبح فإن المؤسسة الوحيدة التي يمكنها القيام بذلك والإعلان عنه هي مؤسسة إمارة المؤمنين؛ أولا لقيام عقد البيعة بين العرش والشعب ومنسوب الثقة العالي والمتبادل، ثانيا لوجود ترخيص دستوري بحماية الملة والدين والسهر على إقامة الشعائر الدينية في إطار إمارة المؤمنين.
ويشهد التاريخ أن المؤسسة نفسها كانت تُهيب بالمواطنين في كل مرات العسر وحالة الضرر والإضرار بالثروة الحيوانية… وقد حصل هذا في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، خلال سنوات 1963 و1981 و1996؛ فكلنا يتذكر الراحل عبد الكبير العلوي المدغري، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو يتلو رسالة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه سنة 1996: “نُهيب بشعبنا العزيز ألا يقيم شعيرة ذبح أضحية العيد في هذه السنة للضرورة”، وكلنا عشنا لحظات قراءة أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يوم 26 فبراير 2025، رسالة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله المتضمنة للقرار الملكي بقوله: “… فإننا نُهيب بشعبنا العزيز إلى عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة”.
إن قوة اللحظة التاريخية تزن رمزية القرار الكبير وتوقيت إعلانه، إذ جاء أولا لرفع الحرج عن العديد من الأسر التي كانت تفكر منذ الآن في كبش الأضحية، وجاء ثانيا منبها إلى العديد من المتدخلين بوقف كل التحضيرات المرافقة لأيام “العيد الكبير”.
لقد كانت جميع قرارات إمارة المؤمنين فيما يخص عدم ذبح أضحية العيد، سواء في عهد جلالة الملك الراحل الحسن الثاني أو في عهد أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، كلها تحتَ ضرورة دفع الضرر ورفع الحرج عن المكلفين من أبناء الشعب، خاصة من ذوي الدخل المحدود؛ لأن التكليف محصن بالاستطاعة.
لقد تجاوز التجاوب الشعبي الكبير مع قرار أمير المؤمنين الحدود، وملأ أحاديث مغاربة العالم في صفحاتهم ومنابرهم الإلكترونية داخل محلات التجارة وأماكن العبادة؛ فالكل يتحدث عن حسنات عدم إقامة شعيرة الذبح هذه السنة، وفي مقدمتها تجنب ضرر ارتفاع الأسعار ورفع الحرج… حفظ الله أمير المؤمنين، وأدامه حافظا أمينا للملة والدين.
0 تعليق