اقرأ في هذا المقال
- الاقتصاد الروسي يواجه مخاطر كبيرة وسط تقلُّب سياسات الطاقة العالمية
- الأمن الاقتصادي الروسي ما يزال هشًا في مواجهة الضغط الهبوطي المستمر على أسعار النفط
- المسؤولون الروس يزعمون أن ترمب قد يُخفف العقوبات على صادرات الطاقة الروسية
- سوريا تُشكّل جسرًا جيوسياسيًا لتدفقات النفط الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
قد يعرّض احتمال انهيار أسعار النفط لمدة طويلة الاقتصاد الروسي لمخاطر كبيرة، حسب تحذير واضح أصدره بنك روسيا المركزي.
ويُذكر ذلك بثمانينيات القرن الماضي، وهي مدة أسهمت في نهاية المطاف بانهيار الاتحاد السوفيتي.
ويواجه الاقتصاد الروسي مخاطر كبيرة وسط تقلُّب سياسات الطاقة العالمية، وفقًا لتقرير سرّي قُدّم إلى رئيس الوزراء الروسي، ميخائيل ميشوستين، في فبراير/شباط 2025.
ويُسلّط التقرير الضوء على الفائض المتزايد في قدرة إنتاج النفط لدى تحالف أوبك+، والتوسع السريع في إنتاج النفط الصخري الأميركي، وتزايد العزلة الجيوسياسية لصادرات الطاقة الروسية.
وبدءًا من مارس/آذار 2025، يحوم سعر خام برنت حول 70 دولارًا للبرميل، وهو ما يزيد قليلًا على السعر المُفترض في موازنة روسيا البالغ 69.7 دولارًا لخام الأورال.
ومع تداول خام الأورال تاريخيًا بخصم على خام برنت، ما يزال الأمن الاقتصادي الروسي هشًا في مواجهة الضغط الهبوطي المستمر على أسعار النفط.
تحذيرات البنك المركزي ووزارة الاقتصاد
أصدر كلٌّ من بنك روسيا المركزي الروسي ووزارة التنمية الاقتصادية الروسية تقييمات سرّية لنقاط الضعف الاقتصادية في البلاد.
وتُسلّط هذه التقارير، التي نوقشت خلف أبواب مغلقة في أوائل عام 2025، الضوء على المخاوف التالية:
أولًا: تحليل البنك المركزي الروسي
- عودة محتملة إلى انهيار أسعار النفط في ثمانينيات القرن الماضي: يُقارن بنك روسيا الوضع الحالي بسوق النفط الهابطة الطويلة التي أعقبت طفرة أسعار النفط بين عامي 1974 و1985، إذ شهدت تلك المدة 18 عامًا من انخفاض أسعار النفط، ما شلّ اقتصاد الاتحاد السوفيتي.
- ارتفاع حادّ في إنتاج النفط الأميركي: وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، من المتوقع أن يصل إنتاج النفط الأميركي إلى 13.61 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية عام 2025، ما يزيد من ضغط العرض على السوق.
- القدرة الإنتاجية الفائضة لأوبك تقترب من مستويات قياسية: تُقدَّر القدرة الإنتاجية غير المُستغلة لـأوبك+ بـ 5.3 مليون برميل يوميًا، أي ما يُعادل تقريبًا إجمالي صادرات روسيا النفطية، وإذا زاد أوبك+ إنتاجها استجابةً للضغوط الأميركية، فقد تدفع أسعار النفط إلى ما دون نقطة التعادل في موازنة روسيا.
- الروبل القوي يهدد إيرادات النفط: يُعرب البنك المركزي عن قلقه البالغ من أن قوة الروبل تُضعف إيرادات التصدير الروسية، ما يُزيد الضغط على الإيرادات الحكومية.

ثانيًا: تقرير وزارة التنمية الاقتصادية الروسية
- تراجع ثقة المستثمرين: تُحذّر الوزارة من انخفاض حادّ في الاستثمار الأجنبي والمحلي، مدفوعًا بعدم القدرة على التنبؤ بالعقوبات وعدم الاستقرار الاقتصادي.
- عجز الموازنة وارتفاع الديون: مع ضغوط أسعار النفط العالمية، قد لا تُحقق موازنة روسيا أهداف الإيرادات لعام 2025، وتشهد الحكومة، حاليًا، زيادة في الديون المعدومة والنفقات المتأخرة.
- الغموض بشأن الأسواق البديلة: تُقرّ الوزارة بأن توجه روسيا نحو آسيا تحديات لوجستية ومالية خطيرة، لا سيما في الهند والصين.
الهدنة الأميركية الروسية
في محاولة لتحقيق استقرار أسواق الطاقة والحدّ من مخاطر التصعيد الاقتصادي، انخرطت روسيا في دبلوماسية سرّية مع الولايات المتحدة وأوكرانيا.
وبعد 3 أيام من المفاوضات في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، توصَّل الطرفان إلى اتفاق مهم لضمان الملاحة الآمنة في البحر الأسود ومنع الهجمات على البنية التحتية للطاقة.
العناصر الرئيسة للاتفاقية
- منع تسليح السفن التجارية في البحر الأسود - إحياء فعّال لجوانب من مبادرة حبوب البحر الأسود لعام 2022، التي تخلّت عنها روسيا عام 2023.
- استعادة الصادرات الزراعية والأسمدة الروسية - من خلال خفض تكاليف التأمين البحري، وتسهيل الوصول إلى المواني، وتسهيل معاملات الدفع.
- وقف مؤقت لاستهداف البنية التحتية للطاقة - وقف الهجمات على مصافي النفط، وأنابيب الغاز، ومرافق تخزين الطاقة في كل من أوكرانيا وروسيا.
- صندوق الاستثمار الأميركي الأوكراني - يهدف إلى ضمان المشاركة الأميركية في إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب، بما في ذلك الوصول إلى الموارد المعدنية الأوكرانية.
تجدر الإشارة إلى أن الصفقة تُمثّل حلًا جيوسياسيًا مهمًا، وعلى الرغم من أنها تسمح لروسيا باستئناف بعض الصادرات الرئيسة، فإنها تمنح الولايات المتحدة نفوذًا على مستقبل اقتصاد موسكو من خلال التحكم في طريقة تطبيق هذه التنازلات ووقته.

هدف روسيا من المفاوضات
كان أحد الأهداف الرئيسة لموسكو في هذه المفاوضات إعادة دمج بنكها الزراعي "روسلخوز بنك" في نظام تنفيذ الحوالات المالية المتبادلة بين البنوك العالمية سويفت (SWIFT). منذ عام 2022، سعت روسيا إلى قنوات دفع بديلة لتجاوز العقوبات الغربية على نظامها المالي.
- وتُعدّ استعادة صادرات روسيا من الأسمدة خطوة إستراتيجية لتمكين صادرات الغاز الطبيعي بالوكالة، إذ يُعدّ الغاز مكونًا أساسيًا في إنتاج الأسمدة.
- تأخير الاتحاد الأوروبي في فرض القيود: كان الاتحاد الأوروبي بطيئًا في تقييد واردات الأسمدة الروسية، ما يسمح لموسكو بالحفاظ على تجارة الطاقة غير المباشرة.
ومن خلال إعادة إتاحة الوصول إلى المدفوعات عبر نظام سويفت المالي، تمكنت روسيا من بيع الأسمدة بسهولة أكبر، واستطاعت إحياء تجارة الغاز الطبيعي في إطار تصدير بديل.
أسواق بديلة للغاز المسال
في مواجهة العقوبات الغربية وتوقُّف شحنات الغاز المسال، لجأت روسيا إلى الهند بصفتها خيارًا محتملًا.
وعقدت شركة الطاقة الروسية العملاقة "نوفاتيك" (NOVATEK) اجتماعاتٍ خاصة مع مشتري الغاز المسال الهنود خلال أسبوع الطاقة الهندي (11-14 فبراير/شباط 2025).
نقاط النقاش الرئيسة
- تخفيض أسعار الغاز المسال الروسي للهند - تُقدّم "نوفاتيك" أسعارًا أقل من السوق لتأمين عقود طويلة الأجل.
- تكهنات حول عقوبات ترمب على قطاع الطاقة - يزعم المسؤولون الروس أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قد يُخفف العقوبات على صادرات الطاقة الروسية.
- تحذيرات من ارتفاعات الأسعار المستقبلية - حذّر المفاوضون الروس المشترين الهنود من أن أسعار الغاز المسال سترتفع بشكلٍ حادّ في عام 2026، وحثّوهم على إبرام العقود فورًا.
وعلى الرغم من هذه المحادثات، ما تزال العقوبات الأميركية تُشكّل عقبةً رئيسة.
ما يزال مشروع "أركتيك إل إن جي-2" الروسي في القطب الشمالي يواجه نقص ناقلات الغاز عالية الجودة، في حين إن القيود الغربية المفروضة على مُشغّلي أساطيل ناقلات الغاز زادت من تعقيد لوجستيات التسليم.

نفط القطب الشمالي الروسي: الشحن إلى سوريا
في جهد موازٍ لتأمين طرق تجارة الطاقة، زادت روسيا شحناتها من النفط الخام إلى سوريا، مستفيدة من أساطيل ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات.
أهمية سوريا
- تُشكّل سوريا جسرًا جيوسياسيًا لتدفقات النفط الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
- تتجاوز سوريا الرقابة الغربية المباشرة، وتسمح بإعادة تسمية النفط الخام الروسي وإعادة بيعه في الأسواق الثانوية.
- يُعدّ الوجود الروسي في سوريا، الذي يُمثّل نموذجًا تجريبيًا للتوسع الأوسع في الشرق الأوسط، وسيلةً فعّالة في دبلوماسية الطاقة الإقليمية، ويُساعد موسكو على الحفاظ على قواعدها العسكرية.
في المقابل، بدأت العقوبات الأميركية والأوروبية تستهدف طرق ناقلات النفط هذه، ما يحدّ من قدرة روسيا على الاستفادة الكاملة من هذه التجارة السرّية.
الخلاصة: مستقبل مضطرب لاقتصاد الطاقة الروسي
يزداد تأثُّر مستقبل روسيا الاقتصادي بالمناورات الجيوسياسية، وتقلّبات أسواق النفط، والقيود المالية.
وعلى الرغم من أن الهدنة الأميركية الروسية بشأن البنية التحتية للطاقة تُقدِّم انفراجًا مؤقتًا، ما تزال هناك نقاط ضعف اقتصادية أعمق.
وسيُحدَّد نجاح إستراتيجيات روسيا التجارية البديلة -سواء عبر الهند أو سوريا أو تصدير الأسمدة بديلًا للغاز- المسار طويل الأمد لاقتصاد الطاقة لديها.
فهل تستطيع روسيا الصمود في وجه أزمة نفطية مطولة أخرى؟ أم أن استمرار انخفاض الأسعار سيُجبر موسكو على تقديم تنازلات اقتصادية أعمق؟
وستُمثّل الأشهر المقبلة اختبارًا حاسمًا لقدرة روسيا على الصمود في سوق عالمية تزداد تقلّبًا.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
0 تعليق