بعنوان “في صحبة عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري” يدرس الأكاديمي محمد بلبول أحدث كتب محمد احميدة، مؤرخ “النادي الجراري”، أعرق النوادي الثقافية بالمغرب، الذي أسّسه العالم الراحل عبد الله الجراري سنة 1930، وحمل مشعله ابنه الأكاديمي الذي ارتبطت بعطائه صفة “عميد الأدب المغربي” عباس الجراري، الذي رحل عن دنيا الناس سنة 2024 الماضية.
دراسة محمد بلبول المعنونة بـ”زهرة الآس في محبّة عبّاس” يقول فيها إن الكتاب الجديد الصادر في الذكرى الأولى لرحيل عباس الجراري تكمن أهميته في كونه موقّعا من محمد احميدة، الذي يعد “من القلّة القليلة التي تملك أهلية الكتابة عن شخصية الأستاذ العميد سيدي عبّاس الجراريّ”، وزاد: “أكاد أقول إننا لن نجد أجدر وأكفأ من الأستاذ احميدة للنهوض بهذا الأمر بحكم ملازمته الأستاذ العميد مدّة طويلة، فضلا عن معرفته الممتازة بالحياة الفكريّة والثقافيّة بمدينة الرباط، التي استأثر النادي الجراري بأبرز أنشطتها، ولاسيما أنّ لهذا النادي امتدادا تاريخيّا، أتاح له استقطاب أفراد من النخب من مشارب وتخصّصات متنوّعة، للإسهام في أعماله”.
وأضاف المصدر ذاته: “إنّ هذا الكتاب يعدّ نموذجا فريدا في بابه، بالنظر إلى أنّه يعرض تاريخا خاصّا يتناول قصّة نشوء صداقة بين طالب وأستاذه، ويرفع الحُجب، في الآن نفسه، عن ملامح وسمات سياق تاريخيّ عام يُشكّل المشهد الخلفيّ لهذا التاريخ الخاصّ. ذلك أنّ الفضاءات التي تتوزّع فيها أدوار وأحداث ومشاهد وشهادات هذا الكتاب، وهي فضاء الجامعة وفضاء نادي الجراريّ، فضلا عن فضاء جمعية رباط الفتح، تُعدّ بمثابة مؤسّسات مثقلة برمزيّة المكان ورجالاته الفاعلين فيه”.
وتابع بلبول: “هذا المكان هو مدينة الرباط الحاضرة السياسيّة للمملكة، مسقط رأس كلّ من مؤلّف الكتاب والشخصيّة المحورية، الباعثة على التألّيف، وهي شخصيّة عميد الأدب المغربيّ الدكتور عبّاس الجراريّ”، مردفا: “تمدنّا – هذه الأمكنة الموزّعة في الرباط، وقليل منها بفاس- بمعلومات قّيّمة عن السياق الأكاديميّ والثقافيّ والسياسيّ الذي ساد أواخر ستينيّات القرن الماضي وامتدّ إلى حين وفاة الأستاذ العميد؛ فممّا لا شك فيه أن هذه الأمكنة شهدت وإن بدرجات مختلفة انبثاق الاهتمام بالأدب المغربيّ من منطلقات منهجيّة ونظريّة جديدة، وضمن رؤية توّاقة لتأصيل هذه الثقافة بهدف إعطاء زخم لحاضرها يحرّرها من أسر الرؤى المهيمنة المتعالية، وقتئذ، التي كانت تنظر للمغرب كهامش للمركز”.
“المقصود بهذا هو تلك الرؤى الوافدة من المشرق العربيّ أو من الغرب، ممثّلا بالأساس في فرنسا. وغير خاف أنّ هذا الاهتمام نشأ في بادئ الأمر في كنف نادي الجراريّ برعاية مؤسّسه العلاّمة عبد الله الجراريّ رحمة الله عليه؛ وقُدّر له الاستمرار والتألّق علي يد الأستاذ العميد بفضل جهوده المشهود لها بالسداد في التّأليف والتكوين الذي استفاد منه مجموعة من الباحثين، الذين يعدّ مؤلّف الكتاب الذي نقدمه اليوم، الدكتور محمد احميدة، واحدا من رموزهم البارزة، فحاز حُظوة أن يكون إلى جانب الأستاذ العميد بصفات متعدّدة؛ فقد كان طالبا في حضرته وأستاذا مريدا وصديقا حميماً وابنا بارّا. ويؤرّخ الأستاذ احميدة لهذه العلاقة الفريدة بين الأستاذ وطالبه”، يواصل صاحب الدراسة.
ويُفصح المؤلّف في التوطئة عن القصد من تأليف كتابه، “إذ يريده أن يكون شهادة وفاء تجاه أستاذه عبّاس الجراريّ، وتذكيرا بمناقب الرجل وجهوده الكبيرة في إحياء الثقافة المغربيّة بعد أن كانت نسيا منسيّا؛ وذلك عبر الاهتمام بدراستها في مظاهرها المتنوّعة التي تشمل اللغة والأدب والتراث الشفويّ والمكتوب، في إطار منظومة حضاريّة متّصلة ومتعدّدة الروافد، يشهد التاريخ أنها ظلّت عصيّة على الإرادات التي سعت إلى مسخها والحَيْد بها عن مجراها الطبيعيّ. ولقد كانت غاية الأستاذ العميد، إسوة بوالده العلّامة عبد الله الجراري، تسخيرَ البحث في اللغة والأدب لمقاومة حالة الاستلاب الفكري والثقافي، وذلك بالعمل على استعادة المغرب من خلال نخبه وقواه الحيّة العاملة في مختلف المجالات لذاكرته الثقافيّة بعد أن تحقّق له استرجاع سيادته الوطنيّة، إذ بدون ذلك يغدو من الصعوبة بمكان تذليل السبل نحو غد أفضل، فأمّة بلا تاريخ هي أمّة بلا هويّة، وبلا مستقبل”، وفق المصدر ذاته.
وتبرز الدراسة أوجها متعددة للقاء، منها “رحاب الجامعة”، حيث “يستعيد كتاب الدكتور احميدة” معالم مشروع الجراري، ولاسِيّما “ما يتصل منه بالجهود المصاحبة لتحويله إلى أداة تغيير في النظرة للذات والهويّة، من خلال التأريخ للعلاقة بالأستاذ العميد التي شهدت كلية الآداب بفاس بدايتها، وقيّض الله تبارك وتعالى لها الاستمرار والتطوّر على مدى ما ينيف عن خمسة عقود”.
كما تقف القراءة عند اللقاء “بين النادي وجمعية رباط الفتح”، مردفة: “يُعدّ الفصل الذي عقده المؤلّف عن النادي الجراريّ من الفصول المهمّة في الكتاب لسببين أساسيّين في تقديري؛ أوّلهما أنّ التحاق الأستاذ احميدة بالنادي الجراريّ شكّل منعطفا حاسما في علاقته بالأستاذ العميد، وثانيهما لأنّ هذا الفصل يؤرخ لأنشطة النادي من زاوية تروم إبراز فضل هذه الأنشطة في تطوير وتقوية العلاقة بين المؤلّف والأستاذ العميد”.
ويسجل الكتاب كذلك “ارتباط الأستاذ احميدة بجمعية رباط الفتح، بإيعاز من الأستاذ العميد”، التي كانت “رافدا من روافد تمتين العلاقة بين المؤلّف والأستاذ عباس الجراريّ؛ فقد تعدّدت اللقاءات بين الرجلين، من خلال ما كانت تتيحه لهما أنشطة جمعيّة رباط الفتح من ندوات ولقاءات علمية تهتم بمدينة الرباط”، وفق الدراسة.
أما “في رحاب الأسرة” فيبين الكتاب “ما كان من مآلات هذا القرب المتواصل” بأن “توطّدت العلاقة بين أسرة الكاتب وأسرة العميد؛ وهي علاقة تقوم على المحبّة والإخلاص في مشاطرة الأفراح والأتراح، والوقوف إلى الجانب المكلوم للعون والمواساة. والأمثلة التي يسوقها الكاتب تعجّ بالمشاهد المفرحة والابتلاءات التي هي من لطف الخالق بعباده، لما يُستخلص منها من دروس وعبر من قِبل منْ أسبغ عليه الله نعمة الإيمان وسعادة اليقين فأكرمه بهما”، يورد المصدر عينه.
و”خلف تقريريّة أسلوب الكتابة والتمسّك بموضوعيّة العرض والتوصيف” يلمس محمد بلبول في مؤلّف محمد احميدة “غنى المشاهد والمواقف التي تصوّر تارة المجاهدة والمكابدة في تحصيل العلم من مَعين علم العميد، وترسم أحياناً لحظات الاحتفاء بالإنجاز متى اكتمل وتحقّق؛ وتومئ إلى أوقات اختلاس لحظة سعادة كان الفقيد يبثّها في مجلسه بين زواره ومحبّيه، فتُترجم فكرة صقيلة تؤسّس لمشروع بحث أو كتاب، أو تحرك قريحة شاعر فيشدو بقصيدة وضّاءة تطرب الحاضرين، إذ تلقى في حضرته”.
ثم تخلص الدراسة إلى أن هذا “هو التاريخ الذي يرويه” كتاب “في صحبة عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري”؛ بأسلوب “يتمرّد على قواعد التجنيس الأدبيّ، إذ نجد فيه شيئا من نفَس أدب المناقب، ونفسا من أدب المذكّرات والكتابة الإخبارية والتوثيق بالنصّ النثريّ والشعريّ وبالصورة وبالخطّ”.
0 تعليق