في حادثة أثارت جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة، وجد أب من ولاية ماريلاند نفسه محتجزًا في سجن ضخم سيئ السمعة في السلفادور بعد أن رحلته السلطات الأمريكية عن طريق الخطأ خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية.
القصة، التي كشفت عنها شبكة "سي إن إن" في تقرير نشر يوم 1 أبريل 2025 بعنوان "إدارة ترامب تعترف بترحيل أب من ماريلاند عن طريق الخطأ إلى سجن ضخم في السلفادور"، تكشف عن فوضى إدارية أدت إلى مأساة إنسانية.
بداية الكابوس
الضحية هو كيلمار أرماندو أبريجو جارسيا، وهو مواطن سلفادوري يبلغ من العمر 29 عامًا، حصل على وضع محمي في الولايات المتحدة عام 2019 من قاضي الهجرة، مما يمنع الحكومة الفيدرالية من ترحيله إلى السلفادور.
وفقًا لتقرير "سي إن إن"، تم توقيف أبريغو غارسيا في 12 مارس 2025 من قبل إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) بعد انتهاء نوبة عمله في موقع بناء في ماريلاند، بزعم أنه "عضو بارز في عصابة MS-13". لكن محاميه يؤكدون أنه ليس عضوًا وليس له أي صلة بهذه العصابة.
على الرغم من حمايته القانونية، تم ترحيله في 15 مارس 2025 إلى السلفادور بسبب "خطأ إداري"، كما اعترفت إدارة ترامب في ملف قضائي قدمته يوم الإثنين قبل نشر تقرير "سي إن إن".
ووفقًا لروبرت سيرنا، مدير مكتب ميداني بالوكالة، لم يكن أبريغو غارسيا مدرجًا في القائمة الأصلية لرحلة الترحيل، بل كان بديلًا، وتم إضافته بعد استبعاد آخرين دون التحقق من وضعه القانوني.
الوضع في السلفادور
عند وصوله إلى السلفادور، تم احتجاز أبريجو جارسيا في سجن "سيكوت"، وهو سجن ضخم اشتهر بظروفه القاسية بعد أن نشرت الحكومة السلفادورية صورًا للمعتقلين. زوجته، جينيفر ستيفانيا فاسكيز سورا، وهي مواطنة أمريكية ولدت في فرجينيا، تعرفت على زوجها في إحدى هذه الصور، كما ذكرت "سي إن إن". آخر مكالمة بينهما كانت صباح يوم الترحيل، حيث بدا خائفًا وأخبرها أنه سيُرسل إلى "سيكوت".
الحكومة السلفادورية رفضت الاعتراف بحمايته القانونية في الولايات المتحدة، معتبرة أن الوثائق المرفقة مع ترحيله تثبت أنه مواطن سلفادوري. وكما أشار موقع "ذا أتلانتيك" في مقال بعنوان "خطأ إداري يرسل رجلًا إلى سجن سلفادوري"، فإن هذا الخلاف جعل أبريجو جارسيا عالقًا في طي النسيان القانوني.
رد فعل الإدارة الأمريكية
في ملفها القضائي، اعترفت إدارة ترامب بالخطأ، لكنها زعمت أنها لا تستطيع إعادته لأنه الآن في عهدة السلطات السلفادورية.
ووفقًا لـ"سي إن إن"، رفضت الإدارة المخاوف من أن يكون معرضًا للتعذيب أو القتل في سجن "سيكوت". لكن هذا الاعتراف لم يهدئ من غضب عائلته أو المنظمات الحقوقية.
الناطقة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أقرت بالخطأ يوم 1 أبريل 2025، لكنها أصرت، دون تقديم أدلة، على أنه "عضو قيادي في جماعة MS-13"، وهو ادعاء رد عليه متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي بأن لديهم "تقارير استخباراتية" تشير إلى تورطه في الاتجار بالبشر.
تجدر الإشارة إلى أن محاميي جارسيا ينفون هذه الاتهامات، مشيرين إلى أن الشرطة في مقاطعة برينس جورج بماريلاند صنفته كعضو في العصابة عام 2019 بناءً على ارتدائه قبعة "شيكاغو بولز" ومعلومات من مخبر سري، وهي أدلة واهية دحضها قاضي الهجرة آنذاك، كما ورد في وثائق "سي إن إن".
الجهود لاستعادته
جهود استعادة جارسيا تواجه عقبات كبيرة. وكانت مصادر في وزارة الخارجية الأمريكية، قد تحدثت لـ"سي إن إن"، وأشارت إلى أن المفاوضات مع الحكومة السلفادورية بقيادة الرئيس نجيب بوكيلي وصلت إلى طريق مسدود، حيث تطالب الأخيرة بـ"أدلة قاطعة" على وضعه القانوني. وبدأت عائلته، بدورها، حملة إعلامية للضغط على الإدارة.
وكانت جينيفر فاسكيز سورا، التي تشارك زوجها طفلًا يعاني من التوحد بالإضافة إلى طفلين من علاقة سابقة، قد كتبت في إفادة للمحكمة نشرتها "سي إن إن": "هذا كابوس لعائلتي. أطفالي يحتاجون إلى والدهم."
في تلك الإفادة، وصفت كيف أن ابنها الذي لا يتكلم بعد يشم قمصان عمل والده ويبكي منذ اختفائه. وأضافت أنها تلقت مكالمة من مسؤول في وزارة الأمن الداخلي يوم 12 مارس تخبرها بضرورة استلام ابنها خلال 10 دقائق وإلا ستُبلغ خدمات حماية الطفل، قبل أن يُؤخذ زوجها وهو يبكي.
تداعيات سياسية واجتماعية
الحادثة أثارت انتقادات حادة لسياسات الهجرة في إدارة ترامب. النائبة كريس فان هولين من ماريلاند وصفتها بـ"الفضيحة الوطنية"، وفقًا لـ"سي إن إن"، ودعت إلى تحقيق شامل.
في المقابل، دافع مؤيدو ترامب عن الإجراءات، مشيرين إلى أنها تهدف إلى "تأمين الحدود"، كما قال المحلل شون هانيتي على "فوكس نيوز". منظمة "الحرية المدنية الأمريكية" (ACLU) رفعت دعوى قضائية، ووصفتها المحامية سارة جونسون في "ذا أتلانتيك" بأنها "انتهاك صارخ للدستور".
مع استمرار احتجاز كيلمار أرماندو أبريجو جارسيا في سجن "سيكوت"، تظل قضيته رمزًا للتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في موازنة الأمن وحقوق المواطنين. وبينما تنتظر عائلته في ماريلاند عودته، يبقى السؤال: هل ستنجح الجهود في إنقاذه من هذا الكابوس البيروقراطي؟
0 تعليق