بدأ رئيس وزراء سلطات الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارة رسمية إلى المجر أمس الأربعاء 2 أبريل 2025، في خطوة تتحدى بشكل صريح مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ضده في نوفمبر 2024 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
هذه الزيارة، التي أُعلن عنها مكتب نتنياهو يوم الأحد الماضي وفقًا لتقرير نشرته وكالة "رويترز" بتاريخ 2 أبريل 2025، تُعد الرحلة الأولى لنتنياهو إلى دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية منذ صدور المذكرة، مما يثير تساؤلات حول التزام الدول الأوروبية بالقوانين الدولية، ويسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين نتنياهو ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.
تحدي المحكمة الجنائية الدولية
تأتي زيارة نتنياهو إلى بودابست بعد أشهر من الجدل القانوني والسياسي الذي أعقب قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة اعتقال بحقه وبحق وزير دفاعه السابق يوآف جالانت، بناءً على اتهامات تتعلق باستخدام التجويع كأداة حرب، والهجمات المتعمدة على المدنيين، والاضطهاد في غزة.
المجر، التي انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2001، كانت ملزمة نظريًا باعتقال نتنياهو فور وصوله إلى أراضيها. لكن أوربان، الزعيم القومي اليميني الذي يتبنى سياسات مناهضة للمؤسسات الدولية، أعلن في نوفمبر 2024 أن بلاده لن تلتزم بقرار المحكمة، واصفًا إياه بأنه "وقح وساخر وغير مقبول". بل إن الحكومة المجرية استغلت زيارة نتنياهو للإعلان عن بدء إجراءات الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة قد تجعلها أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تتخذ مثل هذا القرار.
هذا التحدي للمحكمة ليس مجرد موقف سياسي، بل يعكس أيضًا استراتيجية نتنياهو للالتفاف على القيود المفروضة على تحركاته الدولية. فمنذ صدور المذكرة، قلّص نتنياهو سفرياته الخارجية، مفضلًا زيارة دول غير أعضاء في المحكمة مثل الولايات المتحدة، حيث التقى الرئيس دونالد ترامب في فبراير 2025. لكن اختياره للمجر كوجهة أوروبية يعكس ثقته في دعم أوربان، الذي يرى في نتنياهو حليفًا أيديولوجيًا يشاطره رؤيته للسيادة الوطنية ورفض التدخل الدولي.
وقد أثارت هذه الزيارة انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان مثل "أمنستي إنترناشونال" و"هيومان رايتس ووتش"، اللتين اعتبرتا أن استقبال المجر لنتنياهو يمثل "ازدراءً بالقانون الدولي" و"اعتداءً جديدًا على سيادة القانون".
الهروب من "قطر جيت"
تتزامن زيارة نتنياهو إلى المجر مع تصاعد الضغوط الداخلية في إسرائيل بسبب ما يُعرف بفضيحة "قطر جيت". هذه القضية، التي بدأت تتكشف في الأشهر الأخيرة، تتعلق باتهامات لثلاثة من مساعدي نتنياهو المقربين بالتواصل مع شخصيات قطرية للترويج لصورة إيجابية لقطر داخل إسرائيل، مقابل مكاسب مالية محتملة.
وتشير التحقيقات، التي أوردت تفاصيلها صحيفة "التايمز أوف إسرائيل" في تقرير بتاريخ 2 أبريل 2025، إلى أن هذه الاتصالات قد تشكل جرائم مثل "التعامل مع عميل أجنبي" و"خيانة الأمانة". كما ذُكر رجل الأعمال الإسرائيلي جيل بيرغر كوسيط محتمل في هذه العملية.
نتنياهو، الذي نفى هذه الاتهامات ووصفها بأنها "أخبار كاذبة" وجزء من "حملة تشهير"، يواجه ضغوطًا متزايدة من المعارضة والجمهور لتوضيح دوره في القضية. ويبدو أن زيارته إلى المجر ليست فقط تحديًا للمحكمة الجنائية الدولية، بل أيضًا محاولة لصرف الانتباه عن هذا الفضيحة الداخلية. ففي الوقت الذي يتركز فيه اهتمام الإعلام الإسرائيلي على التحقيقات، يقدم نتنياهو نفسه كزعيم عالمي قادر على السفر والتفاوض بحرية، متجاهلًا القيود القانونية والضغوط السياسية.
العلاقة مع أوربان: تحالف استراتيجي
لا يمكن فهم زيارة نتنياهو إلى المجر دون النظر إلى العلاقة الوثيقة التي تربطه بفيكتور أوربان. فقد التقيا عدة مرات في السنوات الماضية، وتتشاركان رؤية مشتركة حول قضايا مثل الهجرة، والسيادة الوطنية، ورفض التدخل الدولي في الشؤون الداخلية. أوربان، الذي يقود المجر منذ 2010 بنهج يوصف بـ"الديمقراطية غير الليبرالية"، دعم إسرائيل باستمرار في المحافل الدولية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، حيث كثيرًا ما يصطدم مع السياسات الأوروبية الموحدة. في المقابل، يرى نتنياهو في أوربان حليفًا موثوقًا يمكنه الاعتماد عليه في أوقات الأزمات.
خلال الزيارة، التي تستمر أربعة أيام، من المقرر أن يلتقي نتنياهو بأوربان ورئيس المجر تاماش شوليوك، بالإضافة إلى زيارة متحف الهولوكوست في بودابست. لكن الجدول الزمني يبدو شبه فارغ في أيامه الأخيرة، مما أثار تكهنات حول إمكانية عقد لقاءات سرية مع مسؤولين أجانب آخرين في المجر، التي تُعد الآن ملاذًا آمنًا لنتنياهو بفضل موقف أوربان. هذا التحالف لا يقتصر على المصالح السياسية فقط، بل يمتد إلى رؤية مشتركة لمواجهة النقد الدولي، سواء من المحكمة الجنائية الدولية أو من دول أخرى تنتقد سياسات إسرائيل في غزة.
ردود الفعل الدولية والمحلية
أثارت زيارة نتنياهو جدلًا واسعًا على الساحتين الدولية والمحلية. ففي أوروبا، دعت الأحزاب الخضراء الأوروبية إلى اعتقال نتنياهو ومحاكمته، معتبرة أن تجاهل المجر لمذكرة الاعتقال يعكس "ازدراءً لسيادة القانون".
كما حذرت منظمات حقوقية من أن هذا السلوك قد يشجع إسرائيل على مواصلة انتهاكاتها في غزة دون خوف من المساءلة.
على الصعيد الدولي، يبرز موقف الولايات المتحدة كداعم رئيسي لإسرائيل، حيث فرض الرئيس ترامب عقوبات على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان في فبراير 2025، ردًا على التحقيق في أفعال إسرائيل.
في الداخل الإسرائيلي، يرى البعض أن الزيارة تعزز صورة نتنياهو كزعيم قوي قادر على مواجهة الضغوط الخارجية، بينما يتهمه منتقدوه باستغلال السفر للهروب من المشاكل القانونية والسياسية، بما في ذلك "قطر جيت". ومع استمرار الحرب في غزة، التي خلفت أكثر من 50 ألف قتيل ودمارًا هائلًا، تظل هذه الزيارة محور نقاش حاد حول حدود القانون الدولي وتأثير التحالفات السياسية على العدالة.
جمعت زيارة نتنياهو إلى المجر بين التحدي الصريح للمحكمة الجنائية الدولية ومحاولة للتغلب على الضغوط الداخلية الناجمة عن "قطر جيت".
وبدعم من أوربان، يسعى نتنياهو لإثبات أن بإمكانه مواصلة دوره كزعيم عالمي رغم القيود القانونية. لكن هذه الخطوة تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل المساءلة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية على فرض سلطتها في ظل تحالفات سياسية قوية. بينما يترقب العالم تطورات هذه الزيارة، تبقى غزة شاهدة على الصراع الذي أشعل هذا الجدل، وتظل العدالة هدفًا بعيد المنال في ظل السياسة والمصالح.
0 تعليق