تكوينات جيولوجية فريدة
يحتفظ جبل الإنجليز، الواقع غرب مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، بملامح طبيعية وتاريخية تجعل منه وجهة استثنائية. يرتفع الجبل على مسافة تقارب 25 كيلومترًا من المدينة، منها نحو 20 كيلومترًا على طريق الخارجة–الداخلة المعروف تاريخيًا بدرب الغباري. وتتميز قمة الجبل بوجود طبقات صخرية صلبة وداكنة اللون، مما يمنحه مظهراً مغايراً للمناطق المحيطة به.
يوضح الدكتور جبيلي أبو الخير، أستاذ الجيولوجيا بجامعة الوادي الجديد، أن هذه الصخور تتكون من حجر رملي ارتبط بأكاسيد الحديد، وهو ما يفسر تدرج ألوانها بين الأسود والأحمر الداكن. ويشير أبو الخير إلى أن هذه التكوينات نتجت عن مرور سوائل أرضية حارة محملة بالحديد، ترسبت بين حبيبات الحجر الرملي لتعمل كمادة لاحمة تزيد من صلابة الصخور. هذا التباين البصري بين الصخور الداكنة والرمال المحيطة يوفر قيمة تعليمية وبحثية كبيرة لدارسي الجيولوجيا، بعيداً عن التفسيرات التي تربط اللون الداكن بالنشاط البركاني.
شواهد الحرب العالمية الأولى
تجاوزت أهمية الموقع كونه معلماً طبيعياً ليصبح نقطة مراقبة عسكرية استراتيجية خلال الحرب العالمية الأولى. فمع اندلاع المواجهات بين القوات البريطانية والسنوسيين في أواخر عام 1915، برزت الحاجة لتأمين طرق الصحراء الغربية ومداخل الواحات. ويشير المرشد السياحي محمد محسن عبد المنعم إلى أن الضابط البريطاني المعروف باسم «ويلمز» أنشأ فوق قمة الجبل ثكنة عسكرية تتكون من ثلاث غرف متلاصقة ودورة مياه، بهدف رصد التحركات العسكرية في المنطقة.
ساعد الموقع المرتفع الجنود البريطانيين على مراقبة الدروب الصحراوية بوضوح، خاصة مع تزايد الاضطرابات الأمنية في ذلك الوقت. وقد أتاحت التضاريس المكشوفة للثكنة دوراً حيوياً في الإنذار المبكر، مما ساهم في إعادة تنظيم القوات البريطانية والاستعانة بالهجانة والسيارات المدرعة لاستعادة المبادرة العسكرية بحلول عام 1916.
آثار إنسانية على القمة
تعد النقوش والآثار المادية المتروكة فوق الجبل سجلاً حياً لحياة الجنود اليومية في تلك الحقبة. فقد ترك الجنود أسماءهم وتواريخ وصولهم ومغادرتهم، حيث تحمل بعض النقوش تاريخ 9 أغسطس 1916. هذه الكتابات لا توثق وجودهم فحسب، بل تضفي بعداً إنسانياً على تاريخ الموقع العسكري، محولة إياه من مجرد ثكنة مهجورة إلى شاهد على تجارب بشرية في قلب الصحراء.
إلى جانب النقوش، عُثر في الموقع على بقايا مادية تشمل أسلاكاً شائكة، وقواعد مصابيح قديمة، وعلب طعام معدنية، وأجزاء من أحزمة الجنود. توفر هذه المقتنيات تفاصيل دقيقة حول ظروف الإقامة والإعاشة التي عاشها الجنود فوق القمة. ويؤكد المرشد السياحي محمد محسن عبد المنعم أن الموقع بات يجذب هواة التاريخ العسكري والجيولوجيا من مختلف الجنسيات، بما في ذلك زوار بريطانيون مهتمون بتوثيق هذا التاريخ.
يُذكر أن هناك جبلاً آخر يحمل الاسم نفسه في الواحات البحرية، وهو ما يتطلب دقة في التوثيق والزيارة لتجنب الخلط بين الموقعين. ويدعو المتخصصون إلى دمج جبل الإنجليز بالخارجة ضمن مسارات السياحة الثقافية في الوادي الجديد، ليتكامل مع معالم أخرى مثل معبد هيبس ومقابر البجوات، مما يعزز من تجربة الزوار في التعرف على تاريخ القوافل والتحولات العسكرية في الصحراء المصرية.
