تاريخ عريق يمتد إلى العصور القديمة
تعتبر «عين البلد» في واحة الفرافرة واحدة من أبرز المعالم التاريخية التي ارتبطت بحياة السكان المحليين على مر العصور. وتقع العين على مرتفع استراتيجي يُعرف بالفرافرة القديمة، حيث كانت تمثل شريان الحياة الرئيسي لري الحقول والأراضي الزراعية المحيطة بها. ويشير الباحث في شؤون البيئة، الدكتور محمد جبريل، إلى أن تاريخ الواحة يضرب بجذوره في أعماق العصر الفرعوني، حيث ورد ذكرها في وثائق مصرية قديمة تعود إلى الأسرة العاشرة في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد.
أطلق المصريون القدماء على هذه المنطقة اسم «تا أحت»، والذي يعني «أرض البقرة»، وذلك نظراً لغنى الواحة بالمراعي وتوفر الأبقار فيها. ومع مرور الزمن وتوالي الحضارات، اكتسبت العين أهمية مضاعفة خلال العصر الروماني، حيث كانت الفرافرة جنباً إلى جنب مع الواحات الداخلة والبحرية تشكل سلة غلال للإمبراطورية الرومانية، مما منحها لقب «أرض الغلال» بفضل وفرة إنتاجها الزراعي الذي كان يعتمد بشكل أساسي على مياه العيون الطبيعية.
الأهمية الدفاعية لموقع عين البلد
تتمركز عين البلد بالقرب من قصر الفرافرة القديم، وهو موقع يتميز بارتفاعه عن سطح الأرض مما منحه أهمية دفاعية وتاريخية كبيرة. وتنتشر في المنطقة المحيطة بالعين أطلال مبانٍ قديمة مشيدة من الطوب اللبن، والتي يُعتقد أنها بقايا منشآت كانت تؤدي دوراً حيوياً في حماية طرق القوافل الصحراوية. كانت تلك القلعة توفر الحماية للقوافل التجارية من مخاطر قطاع الطرق، مستغلة موقعها المرتفع الذي يتيح كشف المناطق المحيطة وتأمين مسارات التجارة القديمة التي كانت تمر عبر الصحراء الغربية.
تحديات بيئية تهدد الموروث المائي
في الوقت الراهن، يواجه هذا النبع التاريخي تحديات مائية يصفها الأهالي بأنها تهدد استمراريته كجزء من ذاكرة المكان. يوضح أحمد عبد الفتاح أبو مصطفى، أحد أبناء الواحة، أن تشغيل الآبار الارتوازية الحديثة التي حفرتها وزارة الري في المنطقة أدى إلى انخفاض ملحوظ في منسوب مياه عين البلد خلال ساعات النهار. ويشير الأهالي إلى ظاهرة متكررة تتمثل في انحسار المياه نهاراً مع بدء ضخ الآبار الارتوازية، ثم عودتها للتدفق بشكل طبيعي خلال الفترة المسائية عقب توقف تلك الآبار عن العمل.
تثير هذه الظاهرة قلق السكان الذين يرون في عين البلد أكثر من مجرد مورد للمياه، فهي تمثل قيمة تراثية وهوية ثقافية للواحة. ويطالب أهالي الفرافرة بضرورة اتخاذ إجراءات للحفاظ على هذا الموروث وصونه، معتبرين أن التحدي يكمن في الموازنة بين متطلبات التنمية الحديثة واحتياجات الري وبين الحفاظ على العيون الطبيعية التي شكلت تاريخ المنطقة. تظل عين البلد شاهداً حياً على تعاقب الحضارات، وتستمر كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والبيئي لواحة الفرافرة، مما يجعل حمايتها مطلباً ملحاً للحفاظ على التراث المائي والزراعي للمنطقة في مواجهة التغيرات الناتجة عن التوسع في حفر الآبار الحديثة.
