تاريخ حصن دير المنيرة
يقع حصن دير المنيرة على بعد 23 كيلومتراً شمال مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، ويعد أحد أبرز التحصينات العسكرية الرومانية في الصحراء الغربية. تشير دراسات المعهد الفرنسي للآثار الشرقية إلى أن بناء الحصن يعود إلى فترة حكم الإمبراطور دقلديانوس (284-305 ميلادية) أو خلفائه، بهدف تأمين الطرق الصحراوية وحماية القوافل التجارية بين الواحة ووادي النيل، والسيطرة على التحركات في إقليم حيوي للإمبراطورية.
استقطب الموقع اهتمام الرحالة والباحثين منذ القرن التاسع عشر، حيث زاره السير أرشيبالد إدمونستون، ثم وثق الباحث الألماني يورغ شفاينفورت مجمع المعبد الروماني الملحق به عام 1874. وتلا ذلك مسح أثري أجراه عالم الآثار الألماني رودولف ناومان في ثلاثينيات القرن العشرين، مما مهد الطريق لبعثات التنقيب الحديثة التي كشفت عن طبقات تاريخية متراكمة داخل الحصن.
تصميم هندسي دفاعي
يتميز الحصن بتخطيط مربع يبلغ طول ضلعه حوالي 74 إلى 75 متراً، مع جدران ضخمة من الطوب اللبن بارتفاع 12.5 متر وعرض 3.6 متر في الجزء العلوي. ودُعمت هذه الجدران بـ 12 برجاً دفاعياً نصف دائري يتراوح قطرها بين 6.7 و7.4 متر، مع وجود سلالم داخلية تؤدي إلى منصات حربية، بينما يقع المدخل الوحيد في الجانب الغربي.
احتوى الفناء الداخلي على بئر مياه عميق لضمان صمود الحامية أثناء الحصار، بالإضافة إلى نظام قنوات جوفية متطور ربط الحصن بالمباني الخارجية والحقول الزراعية. يعكس هذا التخطيط إدارة صحراوية متقدمة للموارد المائية، مما جعل الحصن قلعة دفاعية صعبة الاختراق طوال فترات استخدامه التاريخية.
اكتشافات أثرية وطقوس جنائزية
شهدت الفترة بين عامي 1997 و2002 تنقيبات مكثفة بقيادة فريق "ألفا نيكروبوليس" والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية. كشفت أعمال المسح عن ثلاث مناطق دفن رئيسية، وعُثر في القطاع الشمالي على 35 مقبرة و19 تابوتاً من الحجر الجيري الأبيض تعود للقرنين الثالث والخامس الميلادي، وبعضها ضم جثثاً محنطة بوضعية أوزوريس.
أشار الأثري محمد إبراهيم، مدير آثار الخارجة، إلى اكتشاف مومياوات كلاب محفوظة جيداً، كانت تُقدم كقرابين نذرية للمعبود "أنوبيس". يؤكد هذا الاكتشاف أن الموقع كان مركزاً دينيًا يدمج بين المعتقدات القديمة والديانة المسيحية التي انتشرت بعد تحول الحصن إلى دير قبطي، وهو ما يفسر تسميته الحالية "دير المنيرة" أو "دير الغنايم".
استخدامات عسكرية حديثة
لم تقتصر أهمية الحصن على العصور القديمة، إذ استخدمته القوات البريطانية قاعدة عسكرية خلال الحرب العالمية الأولى في مواجهة قوات السنوسيين. ولا تزال جدران الحصن تحتفظ بنقوش وذكريات تركها الجنود البريطانيون، مما يجعله شاهداً على حقب تاريخية متنوعة.
دعا محسن عبد المنعم يونس، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، إلى تكثيف جهود الحماية للحد من تدهور المباني اللبنية، مؤكداً أن استغلال الموقع سياحياً سيسهم في تحقيق تنمية اقتصادية وثقافية. وتستمر الدعوات لمواصلة التنقيب للكشف عن مزيد من أسرار حياة الجنود الرومان والطقوس الدينية التي شهدها هذا الصرح العتيق.
