تاريخ مكتبة البلدية بالإسكندرية ومقتنياتها النادرة

تاريخ مكتبة البلدية بالإسكندرية ومقتنياتها النادرة

بدايات التأسيس والتحولات التاريخية

تأسست مكتبة البلدية في الإسكندرية عام 1892، حين قدم البارون منشا فيلته الخاصة الكائنة بشارع منشا في حي محرم بك كهدية لبلدية المدينة، بهدف تحويلها إلى منارة ثقافية تخدم الباحثين والجمهور. حظيت هذه المبادرة بدعم كبير من رئيس البلدية آنذاك حسين صبحي، مما مهد الطريق لبدء رحلة المكتبة في إثراء الحركة العلمية في عروس البحر المتوسط.

شهدت المكتبة محطات تنقل متعددة، ففي عام 1927 جرى نقل محتوياتها إلى مقر مؤقت بشارع أبي الدرداء في منطقة اللبان لمدة 11 عاماً، قبل أن تعود مجدداً إلى فيلا البارون منشا في عام 1938. تعرض المبنى الأصلي للتدمير الكامل جراء قصف جوي خلال الحرب العالمية الثانية عام 1940، مما استدعى إعادة بنائه بتصميمه التراثي الحالي المكون من أربعة طوابق وبرج للساعة، حيث يضم كل طابق قاعتين مخصصتين للاطلاع.

كنوز معرفية ومتحف للفنون الجميلة

اكتسبت المكتبة مكانتها كوجهة بحثية رائدة بفضل محتوياتها الغنية، إذ احتوت على أكثر من 6 آلاف مخطوطة أصلية نادرة، بالإضافة إلى ما يقرب من 200 ألف كتاب. تضمنت مقتنياتها نسخاً أصلية من موسوعة «وصف مصر» التاريخية، إلى جانب مجموعة قيمة من أمهات الكتب ودواوين الشعر الجاهلي والإسلامي التي استقطبت الباحثين لعقود طويلة.

في عام 1954، أُلحق بالمبنى متحف للفنون الجميلة، الذي ضم مجموعة فنية نادرة بلغت 1381 قطعة تعود لعصور تاريخية مختلفة، منها عصر النهضة، وأعمال لرواد الفن التشكيلي والنحت مثل محمود مختار. خضع المتحف لأعمال تطوير شاملة بدأت عام 1981، وأعيد افتتاحه رسمياً في عام 2013، حيث كُشف خلال تلك الفترة عن وثائق فنية وتاريخية نادرة يتجاوز عمرها 112 عاماً.

حماية التراث والتطوير الحديث

واجهت المكتبة تحديات أمنية خلال العدوان الثلاثي عام 1956، حيث جرى نقل المخطوطات إلى مخازن آمنة لحمايتها من القصف، مما جنبها أضراراً جسيمة. استمرت المكتبة في أداء دورها الثقافي كوجهة أساسية للطلاب والباحثين حتى افتتاح مكتبة الإسكندرية الحديثة في منطقة الشاطبي عام 2002.

شهد عام 2012 تحولاً إدارياً بنقل تبعية المكتبة إلى دار الكتب والوثائق، بالتزامن مع نقل الجانب الأكبر من مخطوطاتها إلى مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية لغرض الترميم والحفظ باستخدام تقنيات حديثة. خضع الصرح لعملية تأهيل شاملة بلغت تكلفتها قرابة 17 مليون جنيه، وانتهت بإعادة افتتاحه عام 2013، حيث أضيفت إليه قاعة «حامد عويس» للمعارض المؤقتة، وأُنشئ متحف متخصص للخط العربي، ليتحول الموقع إلى مجمع ثقافي متكامل يدمج بين تاريخ مكتبة البلدية وإرث متحف الفنون الجميلة.