قروض استهلاكية تقفز 19 مليار جنيه بمصر.. مؤشر على أزمة هيكلية

قروض استهلاكية تقفز 19 مليار جنيه بمصر.. مؤشر على أزمة هيكلية

قفزة في التمويل الاستهلاكي

أظهرت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر ارتفاعاً ملحوظاً في حجم القروض الاستهلاكية، حيث سجلت زيادة بلغت نحو 19 مليار جنيه خلال فترة لا تتجاوز الشهرين. وتعد هذه القفزة مؤشراً على تحول في الأنماط المالية للأفراد، إذ يتم توجيه السيولة النقدية نحو الاستهلاك المباشر بدلاً من تخصيصها لأغراض استثمارية أو إنتاجية.

وأوضح الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، محمد فؤاد، أن هذا التوسع في الاقتراض الاستهلاكي يعكس أزمة هيكلية في طبيعة الاقتصاد الحالي. ويأتي هذا الارتفاع في وقت يواجه فيه المواطنون ضغوطاً معيشية تدفعهم للاعتماد على التمويل لتلبية احتياجات أساسية، مثل شراء الأجهزة المنزلية أو تغطية تكاليف الصيانة والإصلاحات الطارئة.

تراجع معدلات الادخار القومي

يربط المحللون بين هذا التوسع في الاقتراض وتراجع معدلات الادخار القومي في البلاد، التي انخفضت من مستويات بلغت 15% إلى نحو 1% فقط خلال السنوات الأخيرة. هذا التراجع الحاد في القدرة على الادخار أجبر قطاعات واسعة من المواطنين على اللجوء إلى أدوات التمويل الاستهلاكي كبديل لتغطية النفقات اليومية، مما يقلص من فرص تراكم رأس المال المحلي.

ويشير فؤاد إلى أن الاعتماد على القروض لتغطية الاستهلاك الشخصي ليس سوى عرض لمرض أعمق يتمثل في ضعف القاعدة الإنتاجية للاقتصاد. هذا الوضع يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام، ويزيد من درجة هشاشته أمام الصدمات الخارجية والأزمات الاقتصادية المفاجئة.

اعتماد الدولة على الضرائب غير المباشرة

تعتمد السياسة المالية للدولة بشكل رئيسي على الضرائب غير المباشرة، مثل الجمارك وضريبة القيمة المضافة، وهي أدوات ترتبط بشكل وثيق بمعدلات الاستهلاك في السوق. ويوضح هذا الاعتماد الضريبي أن هيكل الاقتصاد المصري لا يزال يميل نحو الاستهلاك أكثر من الإنتاج، حيث لا يمثل الناتج الصناعي سوى 15% فقط من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

ويؤكد الخبراء أن هذا التوجه يضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني على المدى الطويل. ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن التحول نحو نموذج قائم على الإنتاج والصناعة يعد السبيل الوحيد لتحقيق استقرار اقتصادي دائم، بدلاً من الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة التي ترتبط بحجم الاستهلاك العام.

ضرورة إعادة الهيكلة الاقتصادية

تتزايد الدعوات الاقتصادية بضرورة إجراء إصلاحات هيكلية شاملة تهدف إلى تحفيز القطاع الصناعي والإنتاجي. ويشدد المتخصصون على أن زيادة القروض الاستهلاكية تعكس نمطاً يحتاج إلى معالجة جذرية من خلال سياسات تشجع على الإنتاج وتدعم الصناعة الوطنية.

إن إعادة هيكلة الاقتصاد لتكون قائمة على الإنتاج بدلاً من الاستهلاك المفرط تمثل أولوية قصوى لضمان نمو متوازن. ومن المتوقع أن تستمر النقاشات حول هذه السياسات في الأوساط الاقتصادية والتشريعية خلال الفترة المقبلة، مع التركيز على سبل تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على التمويل الاستهلاكي كأداة رئيسية لتسيير الحياة اليومية للمواطنين.