مبادرة حكومية لإعادة هيكلة منظومة الدعم
تعتزم الحكومة المصرية التحول من نظام الدعم العيني الحالي إلى الدعم النقدي، وذلك بدءاً من العام المالي 2026-2027. ويهدف هذا التوجه إلى تطوير منظومة الدعم الحالية والحد من الهدر والتسرب الذي يعتري النظام التقليدي، حيث أكد وزير التموين والتجارة الداخلية، الدكتور شريف فاروق، أن الدولة لن تلغي الدعم، بل ستعمل على تغيير آلية تقديمه لضمان وصوله لمستحقيه، مشدداً على أن المواطن سيظل قادراً على الحصول على الخبز المدعم.
يهدف التحول المقترح إلى إلغاء بعض حلقات التداول الوسيطة، مثل المخابز والمطاحن، لضمان استفادة المواطن بشكل مباشر من قيمة الدعم. وأوضح الوزير أن تطبيق المنظومة الجديدة سيكون متدرجاً ومدروساً، بالتوازي مع حوار مجتمعي واسع لضمان حقوق المواطنين وتحقيق أقصى استفادة للأسر المستحقة، مع بناء قواعد بيانات رقمية دقيقة لتتبع حركة السلع وتقليل الفاقد.
رؤى الخبراء حول الإصلاحات الهيكلية
يرى خبراء اقتصاديون أن التحول إلى الدعم النقدي يمثل ضرورة اقتصادية، لكن نجاحه يظل مرهوناً بإصلاحات هيكلية أوسع. وأكد الدكتور فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد ومساعد المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي، أن المشكلة الرئيسية في مصر تكمن في سوء إدارة الدعم وغياب كفاءة تحديد المستفيدين، مما حوله إلى عبء مزمن على الموازنة العامة، مشدداً على ضرورة ربط الدعم النقدي بإصلاح منظومة الأجور.
من جانبه، أشار الخبير الاقتصادي هاني توفيق إلى أن نجاح منظومة الدعم النقدي يتطلب إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، واقترح توجيه الدعم للأم باعتبارها الأكثر قدرة على إدارة احتياجات الأسرة، مستشهداً بتجارب ناجحة في دول أمريكا اللاتينية. كما شدد توفيق على ضرورة ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم ومراجعتها دورياً كل 3 أشهر للحفاظ على القوة الشرائية للمبالغ النقدية.
تحذيرات من تآكل القوة الشرائية
في المقابل، حذر الدكتور حازم حسانين، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، من أن التحول نحو الدعم النقدي دون السيطرة على التضخم وإصلاح منظومة الأجور قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وزيادة الضغوط المعيشية. وأشار إلى أن التضخم الناتج عن السياسات النقدية والمالية يلتهم الأجور وقيمة برامج الحماية الاجتماعية، مقترحاً ربط قيمة الدعم بنسبة تتراوح بين 40 و60% من الحد الأدنى للأجور.
واقترح حسانين إنشاء "مجلس قومي للدعم النقدي" يتولى مهمة ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم لضمان زيادته تلقائياً مع ارتفاع الأسعار. كما لفت إلى تعقيد عملية تصنيف المستحقين في ظل وجود ما بين 18 إلى 20 مليون عامل في القطاع غير الرسمي، مؤكداً أن نجاح الدعم النقدي يتطلب سياسة نقدية كفؤة تستهدف السيطرة على التضخم عند مستويات آمنة.
أرقام ومخصصات الدعم الحالية
يستفيد حالياً نحو 21 مليون أسرة من الدعم التمويني، بالإضافة إلى 5.2 مليون أسرة ضمن برنامج "تكافل وكرامة". ويبلغ الدعم التمويني الحالي 50 جنيهاً للفرد لأول 4 أفراد بالبطاقة، و25 جنيهاً للفرد الخامس وما بعده، وتستبعد الحكومة الفئات غير المستحقة مثل أصحاب الدخول المرتفعة ومالكي السيارات الحديثة.
بلغت مخصصات دعم السلع التموينية في موازنة 2026-2027 نحو 178.3 مليار جنيه، بزيادة 11% عن العام السابق، وهي تمثل 38% من إجمالي مخصصات الدعم البالغة 468 مليار جنيه. وتؤكد الحكومة أن قيمة الدعم الحالية لن تمكن المواطن من شراء نفس الكميات التي كان يحصل عليها سابقاً، مما يستدعي إعادة النظر في آليات التقييم والوصول للمستحقين.
