تراجع الذهب من القمة التاريخية
سجل الذهب أعلى مستوى قياسي له عند 5600 دولار للأوقية في أواخر يناير 2026، قبل أن يدخل في موجة تصحيح هبط خلالها بنحو 29% من قمته، متأثرًا بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وارتفاع أسعار النفط والضغوط التضخمية العالمية. خلال يونيو ويوليو 2026، تعرض المعدن الأصفر لمزيد من الضغوط مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاوف من استمرار أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة، ليتراجع مؤقتًا إلى ما دون مستوى 4000 دولار للأوقية.
مقارنة مع دورات التصحيح السابقة
شهد الذهب عبر تاريخه فترات تصحيح طويلة، أبرزها بين يناير 1980 ومنتصف 1999 عندما هبط من قمة 850 دولارًا إلى نحو 252 دولارًا للأوقية، في سوق هابط استمر قرابة 20 عامًا مع استقرار التضخم وازدهار أسواق الأسهم. أما ثاني أطول فترة تصحيح فامتدت من سبتمبر 2011 إلى يوليو 2020، بعد أن سجل الذهب قمة عند 1920 دولارًا قبل أن يتراجع إلى نحو 1050 دولارًا.
قال هشام حسن، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة "فاينانس كوتش"، إن فترة التصحيح الحالية لا يمكن قياسها زمنيًا أو مقارنتها بدورات سابقة بشكل قاطع، لأن مدتها أصبحت مرتبطة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية ومدى تفاعل الأسواق معها. وأوضح أن التراجع الحالي لا يزال محدودًا مقارنة بحجم المكاسب السابقة، إذ انخفض الذهب بنحو 27% إلى 29% فقط من أعلى مستوياته، وهو تصحيح طبيعي بعد موجة صعود تجاوزت 160%.
مستويات الدعم والمقاومة الحالية
يتحرك الذهب حاليًا داخل نطاق عرضي، مع وجود دعم رئيسي بين 3920 و3950 دولارًا، بينما تمثل منطقة 4225 إلى 4250 دولارًا مستوى المقاومة الأهم. وأكد حسن أن اختراق المقاومة قد يكون إشارة إلى عودة الاتجاه الصاعد، بينما كسر مستوى الدعم قد يفتح الباب أمام مزيد من التراجعات. وأشار إلى أن السوق يمر بحركة عرضية بدأت منذ أشهر، وأن استمرار هذه المرحلة سيعتمد على مدى استجابة المستثمرين للأخبار السلبية.
من جانبه، قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن تكرار سيناريو انهيار الذهب في ثمانينيات القرن الماضي يظل احتمالًا ضعيفًا، لاختلاف الظروف الاقتصادية الحالية جذريًا عن تلك الفترة. وأوضح أن ما حدث في الثمانينيات جاء بعد رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى نحو 20% لكبح التضخم، وهو سيناريو لا يبدو مطروحًا الآن، حيث التوقعات تدور حول زيادات محدودة قد تتراوح بين ربع نقطة مئوية ونقطة مئوية واحدة.
عوامل تدعم استقرار الأسعار
أشار الخبراء إلى أن استمرار البنوك المركزية في زيادة احتياطياتها من الذهب يمثل عامل دعم مهم للأسعار، حيث تستغل الدول فترات التراجع لبناء مراكز طويلة الأجل. كما أن الأسواق بدأت تكتسب ما وصفه هشام حسن بـ"المناعة" تجاه التطورات الجيوسياسية، إذ لم تعد تتفاعل مع الأخبار بنفس القوة السابقة. وأكد أن الذهب تراجع مؤقتًا إلى ما دون 4000 دولار قبل أن يعوض خسائره سريعًا ويغلق الأسبوع أعلى هذا المستوى، مما يعكس مرونة السوق.
ويرى المحللون أن المرحلة الحالية تتطلب مراقبة قدرة الذهب على الحفاظ على استقراره فوق مستويات الدعم، معتبرين أن استمرار التحرك العرضي يعد إشارة إيجابية، لأنه يعني تجنب مزيد من الخسائر وتهيئة السوق لمرحلة صعود جديدة. وتبقى تطورات الحرب وسياسات الفائدة الأمريكية العاملين الأكثر تأثيرًا على اتجاه المعدن الأصفر في الفترة المقبلة.
