تحديات كفاءة الطاقة في الإسكان الاجتماعي
أظهرت دراسة حديثة صادرة عن مشروع حلول للسياسات البديلة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وجود فجوة جوهرية بين القواعد التنظيمية لكفاءة الطاقة في المباني السكنية وبين الواقع الإنشائي، خاصة في وحدات الإسكان الاجتماعي. وتؤكد الدراسة أن المواطن، رغم حصوله على وحدة سكنية تناسب دخله، يواجه تحديات تتعلق بالأداء الحراري للمبنى، مما يضطره إلى تحمل أعباء إضافية نتيجة الاعتماد المكثف على وسائل التبريد الكهربائية أو التعايش مع درجات حرارة داخلية مرتفعة.
وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب التشريعات، حيث اعتمدت مصر منذ عام 2005 الكود المصري لتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني السكنية (ECP 306-1)، والذي أصبح إلزامياً للحصول على تراخيص البناء بدءاً من عام 2008. ومع ذلك، تظل معدلات الامتثال لهذا الكود في قطاع الإسكان منخفض الدخل ضعيفة، نتيجة تشتت المسؤوليات الرقابية وضعف الوعي الفني لدى أطراف عملية البناء من مطورين ومقاولين.
التكلفة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية
تضع الدراسة وحدات الإسكان الاجتماعي، التي استهدفت توفير نحو 700 ألف وحدة منذ عام 2014، في قلب هذه الإشكالية، حيث تؤدي سياسات خفض تكاليف التشييد إلى إهمال عناصر العزل الحراري الضرورية. وتوضح الدراسة أن الجدران الخارجية المكونة من طوب أحمر مفرغ بسمك 120 ملليمترًا مع طبقات المحارة والطلاء التقليدية، دون وجود عزل حراري أو فواصل هوائية، لا تحقق المقاومة الحرارية المطلوبة وفقاً للمعايير الفنية الموصى بها.
تترتب على هذه الفجوة تداعيات اقتصادية مباشرة على السكان، حيث يتحمل المواطن فاتورة الكهرباء المرتفعة نتيجة تشغيل أجهزة التبريد لفترات طويلة لتعويض ضعف الأداء الحراري للمبنى. وتشدد الدراسة على أن هذه القضية تتجاوز مجرد استهلاك الطاقة لتصل إلى مسألة العدالة في توزيع تكاليف الإسكان، إذ تفتقر الأسر محدودة الدخل إلى خيارات بديلة، بينما تمتلك الأسر الأعلى دخلاً القدرة على تحمل تكاليف التبريد أو اختيار وحدات ذات مواصفات أفضل.
نحو معايير إلزامية للراحة الحرارية
تنتقد الدراسة طبيعة الكود المصري الحالي، الذي يضع نطاقات استرشادية لدرجة الحرارة والرطوبة وسرعة الهواء دون تحويلها إلى معايير إلزامية قابلة للفحص والتحقق. وتتضمن هذه النطاقات درجة حرارة تتراوح بين 21.8 و30 درجة مئوية، ورطوبة نسبية بين 20% و50%، وسرعة هواء بين 0.5 و1.5 متر في الثانية، وهي معايير تفتقر إلى آليات تطبيق صارمة تضمن توفير بيئة داخلية ملائمة للمناخ المصري.
وفي سياق المقارنة الدولية، تستعرض الدراسة التجربة البريطانية كنموذج لإدماج مخاطر الحرارة ضمن لوائح البناء، حيث يتضمن الجزء O من هذه اللوائح متطلبات محددة للحد من ارتفاع درجات الحرارة في المباني السكنية الجديدة، مع اعتماد طرق فنية لإثبات الامتثال تشمل المحاكاة الحرارية الديناميكية. وتخلص الدراسة إلى ضرورة تبني مسارات إصلاحية تشمل جعل نطاقات الراحة الحرارية ملزمة، وفحص أداء مواد الغلاف الخارجي للمباني قبل وأثناء التشييد، وإعادة تقييم استراتيجيات خفض تكلفة البناء لتكون الأداء الحراري جزءاً أصيلاً من جودة السكن.
