غياب شعيرة الذبح في عيد الأضحى .. أسس مقاصدية ووقائع تاريخية

هسبيرس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أكد فقهاء وباحثون في الشأن الديني أن قرار الملك محمد السادس الإهابة بالمغاربة عدم إقامة شعيرة ذبح الأضحية هذه السنة ينبني على “أسس مقاصدية عميقة تراعي المصلحة العامة للبلاد والعباد”، مستحضرين أن هذه الشريعة الإسلامية رغم تعظيمها لهذه الشعيرة قرنتها بالاستطاعة، وما “دام نحر الأضاحي هذه السنة كان سيمثل عبئا ماليا يثقل كاهل الأسر، فإن الضرورة كانت تقتضي خطوة أمير المؤمنين”.

الباحثون، الذين قدّموا بالتفصيل المؤطرات الشرعية لدعوة أمير المؤمنين، رفضوا ما رافق “التأييد الشعبي الواسع الذي حظيت به” من “تشكيك” لدى البعض في مدى “شرعية اتخاذ هذا القرار من الناحية الدينية”؛ حيث تفاعل معه البعض بالقول “بأن مثل هذا الأمر هو إلهي، لا يرجع إلى الناس”، فيما رأى آخر أن “الفرح بمنع شعيرة من شعائر الله يعتبر ذلا”، بينما استغرب ثان الخطوة بما أن “هذه الشعيرة يتعين أن يقيمها القادر عليها، ولي مقادرش لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”.

في هذا الجانب، أفاد هؤلاء الباحثون “بشواهد تاريخية من التاريخ الإسلامية تدعم صحة قرار إلغاء إقامة شعيرة ذبح الأضحية”؛ ضمنها أن “أمير المؤمنين عمر بن الخطاب علّق الحج بسبب انتشار الطاعون (الذي ينتمي إلى خانة الطوارئ والكوارث والتغيرات المناخية، التي تصنف جميعها كحالات ضرورة)”.

مقاصد عميقة

متفاعلا مع هذا النقاش، قال عبد اللطيف الوزكاني، باحث في العلوم الشرعية، إن “قرار أمير المؤمنين، حفظه الله، بإلغاء شعيرة الأضحية لهذا العام مبني على أسس شرعية مقاصدية عميقة، تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة للبلاد والعباد”، مؤكدا أن “الأضحية في الإسلام ليست مجردة عادة اجتماعية؛ بل هي شعيرة عظيمة من شعائر الدين؛ حيث قال تعالي في سورة الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾”.

الوزكارني أضاف، ضمن تصريح لهسبريس، أن “النبي ﷺ جعلها سنة مؤكدة للقادر عليها، مما يدل على أهميتها في إحياء سنة إبراهيم عليه السلام وتجسيد معاني التقوى والشكر لله”، مستدركا بأن “الشريعة الإسلامية، رغم تعظيمها لهذه الشعيرة، جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، حيث رفعت عن العباد التكاليف التي تدخلهم في العسر والمشقة؛ دليل ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾”.

وبعد أن استحضر “إجماع المذاهب الفقهية، ومنها المالكية، على أن الأضحية سنة مؤكدة، وليست واجبة، بدليل أن النبي ﷺ لم يُلزم بها جميع المسلمين، بل قرنها بالاستطاعة”، أوضح الباحث نفسه أن “الناظر في الواقع المغربي يرى أن الضرورة اقتضت هذا القرار الحكيم، نظرًا للظروف الاقتصادية التي تعاني منها كثير من الأسر، والتي قد تجعل الالتزام بالأضحية يشكل عبئًا ماليًا يثقل كاهلها”.

وفي هذا الجانب، يذكر أنه “من القواعد الفقهية المتفق عليها أن “الضرورة تقدر بقدرها”، وأن “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة””، وفق الوزكارني، مبرزا أنه على أساس ذلك “رأى أمير المؤمنين، باعتباره الحامي للدين والساهر على مصالح الأمة، أن إلغاء الأضحية هذا العام يحقق مقصود الشريعة في التخفيف عن الناس، ومنع الحرج عنهم، خاصة مع وجود أبواب أخرى للقرب إلى الله؛ مثل صلة الأرحام، وإحياء معاني التكافل الاجتماعي”.

وأوضح المصرح للجريدة أنه “رغم هذا الإلغاء، ستظل شعائر العيد قائمة؛ حيث ستُقام صلاته، وهي سنة مؤكدة في المذهب المالكي، كما سيبقى للمسلمين المجال مفتوحًا لإظهار الفرح والسرور والتوسعة على الأهل وصلة الأرحام”، مؤكدا أن “القرار ليس إلغاءً للشعيرة من حيث مكانتها في الإسلام، وإنما هو تعليقٌ ظرفيٌ بسبب ضرورة ملحة، وهو ما يتماشى مع مقاصد الشريعة التي تجعل رفع الحرج والتيسير على الناس أولوية”.

حالة الضرورة

خالد التوزاني، الأستاذ الجامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي- مساق، أوضح أنه “في الشريعة الإسلامية تعتبر “الضرورة” مبررا لتغيير بعض الأحكام الشرعية إذا كانت هناك ظروف استثنائية تهدد الصالح العام”، مفيدا بأن “التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف ونقص المواشي من بين الظروف الصعبة التي تصنف كحالة ضرورة”.

واستحضر التوزاني، ضمن تصريح لهسبريس، أن “توفير الأضاحي قد يشكل عبئا اقتصاديا كبيرا على الناس (..) خاصة في ظل ارتفاع الأسعار”، مبرزا أنه لما “كان الدين الإسلامي يراعي أحوال الناس، وظروفهم ويدعو إلى التيسير والتخفيف عنهم”، فإنه “إذا كان ذبح الأضاحي سيؤدي إلى مشقة مالية أو نقص في الموارد الغذائية، فإن قرار إلغاء الشعيرة يمكن أن يفهم في إطار تحقيق المصلحة العامة”.

وأفاد المصرح بأن ذلك يأتي “مصداقا لقول الرسول (ص): “لا ضرر ولا ضرار”، مبرزا أنه “رغم كون البعض من المغاربة قادرين على ذبح الأضحية؛ فإن الكثير من مواطنيهم لا يقدرون في الظروف الحالية، ويقتضي التكافل الاجتماعي التصدق بقيمتها، وهو ما يتوافق مع روح العيد ويخدم تماسك المجتمع المغربي المتضامن”.

وقدّم الجامعي نفسه “شواهد تاريخية تدعم قرار أمير المؤمنين”، مبرزا أنه “في تاريخ الإسلام، كانت هناك حالات مشابهة؛ تم فيها تعليق أو تغيير بعض الشعائر بسبب ظروف استثنائية، ومن ذلك تعليق الحج، وهو من أركان الإسلام، مرات عديدة بسبب الحروب أو الأوبئة أو غياب الأمن؛ فمثلا، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تم تعليق الحج بسبب انتشار الطاعون وتم تعليق حد قطع يد السارق”.

وشدد رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي- مساق على أن “القرار ينسجم مع الثوابت الدينية للمملكة المغربية في رعاية مصالح الناس والرأفة بهم؛ ذلك أن المذهب المالكي، الذي يتبناه المغرب في الفقه، يعطي أهمية كبيرة للمصلحة العامة والضرورة ورفع الحرج؛ فيسمح للحاكم أو ولي الأمر باتخاذ قرارات استثنائية، إذا كانت تحقق مصلحة عامة أو تمنع ضررا عن الناس. كما أن العقيدة الأشعرية التي اختارها المغاربة في العقيدة تجمع بين استخدام العقل والنقل في فهم النصوص الشرعية وتنزيلها”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق