المسحراتي عبر الزمن.. كيف بدأ في عهد الرسول ومن أول من أحيى هذه العادة في مصر؟

the24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

جرت السُنة المطهرة أن يتسحر الصائم تقويًا على الصيام؛ لأن الله - عز وجل - لا يريد من الصوم تعذيب النفس أو إرهاق الجسم، بل يهدف إلى تصفية النفس من الذنوب وتهذيبها من الآثام.

 وشهر رمضان هو شهر الخير والبركات، شهر الرحمات والنور، شهر الإفطار والسحور. وقد وردت عدة أحاديث نبوية تحث على السحور، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً"، وقوله: "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السَّحُورَ".

وقد ذكر العلامة علي الجندي في موسوعته "قُرة العين في رمضان والعيدين" أن السحور سُمي بهذا الاسم لأنه مشتق من السحر، وهو الوقت الذي يقع بين الفجر الصادق والكاذب، حيث يكون له وجه إلى النهار ووجه إلى الليل.

أذان بلال للسحور وأذان ابن أم مكتوم للإمساك:

عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". وهكذا كان الصحابة يعرفون جواز الأكل والشرب بأذان بلال، والمنع بأذان ابن أم مكتوم، وهو ما يشبه اليوم مدفع السحور ومدفع الإمساك.

ظهور المسحراتي:

مع مرور الوقت، تفنن الناس في وسائل إيقاظ بعضهم للسحور، وظهر المسحراتي في ربوع العالم الإسلامي. 

وكان بعض المسحراتية يوقظون الناس بالشعر، مثل شعر القوما، الذي ابتكره رجل بغدادي يُدعى أبو نقطة لتسحير الخليفة العباسي الناصر لدين الله. ومن أشعار السحور المشهورة:

أيها النوّام قوموا للفلاح

واذكروا الله الذي أجرى الرياح

إن جيش الليل قد ولى وراح

وتدانى عسكر الصبح ولاح

أشربوا عَجلىَ فقد جاء الصباح

المسحراتي في مصر:

احتفت مصر بوظيفة المسحراتي، حتى إن بعض ولاة مصر في العصر العباسي، مثل عنبسة بن إسحاق، كانوا يشاركون في التسحير. 

وكان المؤذنون في الجوامع ينادون على الناس بالسحور، ويقرأون آية الصيام من سورة البقرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".

أما في غير الجوامع، فكان المسحراتي يطوف على البيوت بالطبلة، ويضرب عليها لإيقاظ الناس. 

وفي الإسكندرية واليمن وبعض مناطق المغرب، كانوا يُسحّرون بدق الأبواب، بينما في الشام كانوا يستخدمون الطار مع الغناء والرقص. وفي المغرب، كانوا يفعلون شيئًا مشابهًا مع استخدام الأبواق.

المسحراتي في القاهرة:

في القاهرة وربوع مصر، كان المسحراتي يتجول في الدروب في هزيع الليل الأخير، حاملاً طبلة صغيرة، وينادي على أصحاب البيوت ليوقظهم للسحور، منتظرًا منهم في نهاية الشهر "نفخة العيد". 

ومن الطريف أن التسحير في مصر لم يكن مقصورًا على الرجال، بل شاركت فيه النساء أيضًا. وقد وصف الفقيه الشاعر زين الدين بن الوردي إحدى المسحراتيات بقوله:

عجبت في (رمضان) من مسحرة

قالت: ولكنها في قولها ابتدعت

تسحروا يا عباد الله؟ قلت لها:

كيف السحور؟ وهذى الشمس قد طلعت؟

المسحراتي اليوم:

مع التطور الهائل في عالم الإعلام والاتصالات، أصبحت مهنة المسحراتي تواجه الاندثار، واقتصر ظهورها على بعض الأحياء الشعبية. 

وأصبحت نقرات المسحراتي على طبلته مجرد صدى لذكريات الماضي البعيد.

إخترنا لك

0 تعليق