تحت رعاية الملك محمد السادس، نظمت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بشراكة مع جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، النسخة الرابعة عشرة من الجامعة الربيعية في السجون. وقد تم اختيار موضوع “السجن: من العقوبة إلى العدالة التصالحية” لهذه الدورة ببني ملال، وذلك تأكيدا لأهمية تطوير المنظومة السجنية وتحويلها إلى فضاء لإعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي.
انطلقت فعاليات الجامعة يوم 25 مارس 2025، بدءا باستقبال المشاركين في أجواء تنظيمية متميزة. تلا ذلك الافتتاح الرسمي الذي انطلق بالنشيد الوطني، ثم كلمة ترحيبية ألقاها مدير المؤسسة السجنية، أكد فيها أهمية هذا الحدث في تعزيز الحوار الأكاديمي حول الإصلاح السجني.
وتناولت الجلسة الأولى السجن كمجال عقابي وإصلاحي، وتطرقت المداخلات لمواضيع متنوعة مثل “النشأة التاريخية للسجن”، “حدود فعالية العقوبات السجنية في تحقيق الردع الاجتماعي”، “التأثير الاجتماعي للسجن على النزلاء وعائلاتهم”، و”الانعكاسات النفسية للإقامة الطويلة في السجون”. وتميزت هذه الجلسة بتفاعل كبير من الحضور، خاصة من النزلاء الطلبة.
الجلسة الثانية ركزت على مفهوم العدالة التصالحية وآليات تطبيقها داخل السجون. كما ناقشت إشراك المجتمع المدني في هذه البرامج والتحديات التي تواجه إعادة إدماج السجناء بعد الإفراج عنهم، واستعرضت تجارب ميدانية ناجحة، مما أضفى بعدًا عمليًا على النقاش.
اليوم الثاني شهد حضور شخصيات بارزة، مثل والي جهة بني ملال-خنيفرة، ممثلي السلطات الأمنية والقضائية، المدير التنفيذي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، إضافة إلى رئيس الجامعة وعمداء الكليات ومسؤولين محليين وإقليميين. كما تم عرض شريط وثائقي حول كرونولوجيا الجامعة الصيفية منذ 2016. وقدم كل من مدير المؤسسة السجنية ورئيس جامعة السلطان مولاي سليمان وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية كلمات رسمية شددت على أهمية هذه المبادرات.
وناقشت جلسة اليوم الثاني الدور الذي يمكن أن تلعبه السجون في تعزيز العدالة التصالحية والعمل الاجتماعي، بالإضافة إلى التعاون بين القطاعين العام والخاص في تأهيل السجناء، مع استعراض رؤية مستقبلية لتحويل السجون إلى فضاءات متعددة الوظائف.
واختتمت الجامعة الربيعية بكلمة ألقاها نزلاء المؤسسة السجنية ذاتها، تلتها مراسم توزيع شهادات المشاركة على النزلاء المشاركين. بعدها، تمت قراءة التقرير الختامي الذي استعرض أبرز التوصيات التي خلص إليها المشاركون، وتلاوة برقية ولاء مرفوعة إلى الملك محمد السادس.
وموازاة مع الجلسات، تم تخصيص معرض مفتوح على مدار اليومين، حيث تم عرض مجموعة من الإبداعات الحرفية المتميزة التي أنجزها السجناء في مجالات متنوعة مثل الجبص، الحدادة، النسيج، الخياطة والرسم التشكيلي، بالإضافة إلى مجسمات فنية مبتكرة تم صنعها من مواد متلاشية. وفي ختام الفعالية، تم تنظيم حفل إفطار جماعي تكريماً للضيوف والنزلاء المشاركين.
وتميزت هذه النسخة بمشاركة 33 نزيلاً و5 نزيلات إلى جانب خبراء من مختلف التخصصات، مما جعلها منصة علمية غنية بالمقاربات القانونية الاجتماعية والاقتصادية حول مستقبل المؤسسات السجنية. وتم التأكيد على تعزيز العدالة التصالحية، ودعم برامج التأهيل المهني، وتشجيع الشراكات مع المجتمع المدني لضمان إعادة إدماج ناجحة للسجناء بعد الإفراج عنهم.
جدير بالذكر أن الجامعة الربيعية في السجون تظل تجربة فريدة من نوعها، تسعى إلى تحقيق توازن بين العقوبة والإصلاح بما يتماشى مع الرؤية الملكية الرامية إلى إرساء مقومات الجهوية المتقدمة، وجعل المؤسسات السجنية فضاءات لإعادة التأهيل والاندماج في المجتمع.
0 تعليق