طاحونة أبو شاهين في رشيد: إرث تاريخي يعود لـ250 عاماً

طاحونة أبو شاهين في رشيد: إرث تاريخي يعود لـ250 عاماً

تاريخ ونشأة طاحونة أبو شاهين

تعتبر طاحونة أبو شاهين الأثرية في مدينة رشيد واحدة من أبرز الشواهد المعمارية التي يعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، الموافق للقرن الثامن عشر الميلادي. أنشأها عثمان أغا الطوبجي، قائد المدفعية بالحامية العثمانية آنذاك، بهدف طحن الغلال وتخصيص جزء من ريعها للإنفاق على صيانة مسجد المحلي، مما جعلها منشأة اقتصادية ارتبط دورها بالحفاظ على أحد أبرز مساجد المدينة. ورغم أن عثمان أغا هو مؤسسها، إلا أن اسم "أبو شاهين" ارتبط بآخر شخص عمل بها قبل توقفها، وهو تقليد كان شائعاً في رشيد بإطلاق أسماء آخر العاملين أو المالكين على المنشآت.

تصميم هندسي وتقنيات بناء فريدة

تتميز الطاحونة بتصميم يعكس خصوصية العمارة الرشيدية، حيث بُنيت باستخدام الطوب المنجور الذي اشتهرت به المدينة، والذي كان يُحرق بدرجة معينة ليكتسب اللونين الأسود والأحمر، مع استخدام مادة "القصرمل" المكونة من خليط الجير والحمرة والسرسة. وتتكون المنشأة من مدارين شرقي وغربي، يضم كل منهما حجر طحن مستدير متصل بمنظومة من العجلات والتروس الخشبية التي تنقل الحركة الناتجة عن دوران الحيوانات، مثل البغال أو الثيران، إلى أحجار الطحن.

وتحتوي الطاحونة على عناصر خدمية متكاملة تشمل:

  • إسطبل: مخصص لإيواء الدواب التي كانت تتولى تشغيل آليات الطحن، مع أماكن مخصصة للعلف والماء.
  • حجرة مبيت الطحان: يمكن الوصول إليها عبر سلم من المدار الغربي.
  • مسطاحين: مساحات مخصصة لتجفيف الحبوب قبل طحنها، تقع في الدركاة التي تلي المدخل الرئيسي.

ويشير الأثري أحمد حبالة، مدير تفتيش آثار رشيد، إلى وجود تفاصيل معمارية لافتة، منها أعمدة رخامية يرجح أنها تعود للعصر البيزنطي أعيد استخدامها في البناء، بالإضافة إلى حنايا جدارية صُممت لمنع احتكاك الحيوانات بالجدران أثناء دورانها. كما كانت الطاحونة تضم قادوسين منفصلين يسمحان بطحن نوعين من الحبوب في وقت واحد، مع إمكانية التحكم في درجة نعومة الدقيق.

مشروع إحياء التراث الرشيدي

تندرج الطاحونة ضمن مشروع إحياء مدينة رشيد التاريخية، الذي يهدف إلى استعادة الطابع العمراني والحضاري للمدينة وتحويلها إلى مقصد سياحي عالمي. وتعد الطاحونة جزءاً من مجموعة الأمصيلي التراثية التي تضم أيضاً منزل الأمصيلي ومنزل حسيبة غزال. وتشمل أعمال التطوير الحفاظ على الهوية المعمارية وتنسيق الواجهات المحيطة بها لتكون متناسقة مع الطابع التاريخي للمدينة.

وأكدت الدكتورة جاكلين عازر أن مشروع إحياء رشيد يحظى باهتمام كبير من الدولة، حيث تستهدف أعمال التطوير الحفاظ على الهوية المعمارية بالتوازي مع تطوير البنية التحتية والخدمات. وتهدف هذه الجهود إلى تعزيز مكانة رشيد كواحدة من أبرز الوجهات التراثية والسياحية في مصر، ودعم التنمية المستدامة في محافظة البحيرة. وعلى الرغم من توقف العمل بالطاحونة مع ظهور الآلات الحديثة، إلا أنها تظل رمزاً اقتصادياً واجتماعياً يوثق مرحلة هامة من تاريخ الصناعة والحياة اليومية في رشيد، حيث كانت الغلال تُطحن مقابل أجر نقدي أو بنظام المقايضة.