التمويل الاستهلاكي في مصر: دوامة الديون تبدأ بـ 600 جنيه

التمويل الاستهلاكي في مصر: دوامة الديون تبدأ بـ 600 جنيه

البداية: الحاجة إلى جهاز كهربائي

بدأت قصة محمد عبد العاطي، عامل في إحدى شركات المقاولات، عندما تعطلت ثلاجته القديمة ولم تفلح محاولات إصلاحها. ثمن ثلاجة جديدة تجاوز 18 ألف جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة أسرته المحدودة. لم يكن لدى الأسرة مدخرات، لكنها لم تكن مديونة لأحد قبل هذه الأزمة.

في ظل تزايد الإعلانات عن شركات تبيع الأجهزة بالتقسيط دون مقدم، وجد عبد العاطي نفسه أمام خيار سهل في أحد معارض الأجهزة بإمبابة: استلم الآن وادفع على 36 شهرًا. خرج عبد العاطي بثلاجة جديدة وقسط شهري بلغ 600 جنيه.

التوسع في الديون: من ثلاجة إلى سلسلة أقساط

بعد عام، نجحت زوجته في تدبير سداد أقساط الثلاجة، لكن هذا المبلغ البسيط أصبح بداية لسلسلة طويلة من الديون. سرعان ما أضاف عبد العاطي هاتفًا جديدًا وجهاز بلايستيشن 5 وتكييفًا لمنزله، مستفيدًا من نفس نظام التمويل الاستهلاكي.

على الرغم من أن الأقساط بدت في البداية تحت السيطرة، إلا أن ارتفاع الأسعار المستمر وتضاعف تكاليف المعيشة، بينما لم يواكب الدخل هذه الزيادات، جعل من الصعب على الأسرة الوفاء بالتزاماتها. بدأت الأقساط تلتهم جزءًا متزايدًا من الدخل، مما دفع الزوج إلى التخلف عن السداد.

التمويل الاستهلاكي: أرقام ود دلالات

يكشف المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن دور التمويل الاستهلاكي في دعم النشاط التجاري، خاصة مع ارتفاع أسعار السلع المعمرة. استحوذت الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية على 23.9% من التمويلات خلال أول شهرين من 2026، بقيمة 4.62 مليار جنيه، تلتها السيارات بنسبة 22.3%.

بين عامي 2021 و2025، شهد قطاع التمويل الاستهلاكي نموًا هائلاً. ارتفع عدد العملاء بنحو 796% ليصل إلى 12.1 مليون عميل، وزادت قيمة التمويلات الممنوحة بنحو 466% لتصل إلى 96.3 مليار جنيه، وفقًا لبيانات هيئة الرقابة المالية.

القواعد التنظيمية والواقع العملي

تنص قواعد هيئة الرقابة المالية على إلزام الشركات بالتحقق من قدرة العملاء على السداد وفحص تاريخهم الائتماني. ومع ذلك، تكشف قصص العديد من المتعثرين عن فجوة بين هذه النصوص والواقع، حيث يجد البعض أنفسهم غارقين في أقساط تفوق قدرتهم على الوفاء بها بعد فترة قصيرة.

يجد العملاء أنفسهم في رحلة بحث مستمرة عن ديون جديدة لسداد الديون القديمة، مما يخلق دائرة مغلقة. أصبحت الأسر التي كانت مستورة فيما مضى، تجد نفسها مضطرة لمقارنة أسعار السلع الأساسية قبل الشراء، وحساب تكلفة كل وجبة.

النتيجة: مواجهة قانونية

وصلت الأمور بعبد العاطي إلى مواجهة قانونية، حيث صدر ضده حكم بالحبس سنة غيابيًا في إحدى القضايا المتعلقة بديونه. اضطر لمغادرة منزله، تاركًا زوجته مع أوراق الديون وإيصالات الأقساط، لتتساءل: "إحنا اشترينا دين".

تؤكد هيئة الرقابة المالية أن التمويل الاستهلاكي أداة لتلبية الاحتياجات دون تحمل التكلفة دفعة واحدة، وتنصح بالتعامل فقط مع الشركات المرخصة وقراءة العقود بعناية. إلا أن تجارب مثل تجربة عبد العاطي تسلط الضوء على صعوبة الالتزام بهذه النصائح في ظل ضغوط المعيشة.