تشديد قيود بناء المقابر يرفع الأسعار
يواجه المواطنون في المناطق الريفية المصرية صعوبات متزايدة في بناء مقابر لعائلاتهم، حيث تصطدم محاولات البناء بتطبيق قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 الذي يحظر إقامة أي منشآت خارج الأحوزة العمرانية المعتمدة. ورغم وجود قانون خاص بتنظيم المقابر والجبانات (القانون رقم 5 لسنة 1966)، إلا أن التشدد في تطبيق القوانين المتعلقة بالأراضي الزراعية، خاصة في القرى التي تفتقر لظهير صحراوي، أدى إلى تفاقم الأزمة.
هذا التشدد، الذي بدأ يتزايد منذ عام 2014، ساهم في ارتفاع ملحوظ في أسعار المقابر المبنية مسبقًا، وكذلك الأراضي الفضاء المتاحة بين المقابر القائمة. وقد تصل تكلفة بناء مقبرة بسيطة تضم عدة عيون إلى مئات الآلاف من الجنيهات، بما في ذلك تكاليف البناء الإضافية مثل المظلات.
تضارب تشريعي يخلق أزمة اقتصادية
يثير التناقض بين قانون البناء الموحد وقانون تنظيم الجبانات حالة من الارتباك القانوني، مما أثر سلبًا على المواطنين. وتشير أحكام قضائية، مثل حكم محكمة القضاء الإداري في طنطا، إلى أن الجبانات تخضع لقانون خاص بها وأن تطبيق قانون البناء عليها غير صحيح. ومع ذلك، تستمر الإدارات الزراعية في تحرير محاضر للمخالفين، معتبرةً حتى الأراضي البور الواقعة ضمن الرقعة الزراعية أو المتاخمة لها تعديًا على الأراضي الزراعية.
يعتبر قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966، والمعدل بالقانون رقم 7 لسنة 2018، أن الأرض البور داخل الرقعة الزراعية في حكم الأرض الزراعية، ويفرض عقوبات صارمة تشمل الحبس والغرامات المالية الكبيرة، بالإضافة إلى شطب المقاولين أو المهندسين المخالفين.
ندرة الأراضي وغياب التخطيط
يرى خبراء اقتصاديون وتشريعيون أن أزمة المقابر في الريف تعكس مشكلة أوسع تتمثل في ندرة الأراضي وغياب التخطيط طويل الأجل للاحتياجات الأساسية للسكان. هذا الاختلال في العرض والطلب يؤدي إلى ارتفاع كبير في القيمة الاقتصادية للأراضي المخصصة للمقابر، مما قد يتجاوز قيمة أراضٍ مخصصة لاستخدامات أخرى.
ويحذر الخبراء من استمرار الوضع الحالي، مما قد يؤدي إلى مزيد من التضخم في أسعار المقابر وظهور سوق غير رسمية، مما يزيد الأعباء المالية على الأسر، خاصة محدودة ومتوسطة الدخل. كما أن تزايد أعداد الوفيات سنويًا، مع ارتفاع ملحوظ في أعداد المتوفين مقارنة بالعام السابق، يضع ضغوطًا إضافية على الحاجة الملحة لتوفير حلول لهذه الأزمة.
حلول مقترحة وتحديات مستقبلية
يدعو البعض إلى تدخل تشريعي عاجل لتنظيم عملية إنشاء المقابر وتخصيص الأراضي اللازمة لها، لا سيما في القرى التي لا تمتلك ظهيرًا صحراويًا. ويشير الخبراء إلى أن غياب إطار تشريعي متكامل وآليات واضحة لتخصيص الأراضي يؤدي إلى تفاوت الأوضاع من منطقة لأخرى وظهور أزمات متكررة.
في بعض القرى، لجأ الأهالي إلى حلول مبتكرة مثل بناء مقابر متعددة الطوابق لمواجهة نقص المساحات وارتفاع الأسعار. ويرى البعض أن استمرار هذا الخلل سيجعل الحصول على مقبرة جديدة عبئًا اقتصاديًا كبيرًا، مشابهًا لما حدث في أسواق الإسكان والأراضي سابقًا، مما يمس آخر خدمة أساسية يحتاجها الإنسان في حياته.
