مصر تدرس التحول للدعم النقدي: دروس من تجارب عالمية ناجحة ومتحدية

مصر تدرس التحول للدعم النقدي: دروس من تجارب عالمية ناجحة ومتحدية

توجهات الحكومة المصرية نحو الدعم النقدي

تواصل الحكومة المصرية دراسة تطبيق منظومة الدعم النقدي المباشر للأسر المستحقة، وذلك تمهيداً للإعلان عن التفاصيل النهائية خلال الفترة المقبلة. وأكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن هذا التوجه يأتي في إطار إعادة صياغة منظومة الدعم الحكومي الحالية، والتي تعتمد على توفير سلع تموينية، بهدف تحسين كفاءة الإنفاق العام وضمان وصول المخصصات المالية إلى الفئات الأكثر احتياجاً بصورة أكثر دقة.

يعتمد نظام الدعم النقدي المقترح على منح الأسر مبالغ مالية مباشرة بدلاً من السلع المدعمة، مما يمنح المواطنين مرونة أكبر في تحديد أولويات الإنفاق وفق احتياجاتهم الأساسية. وتتوقع الحكومة أن يساهم هذا التحول في تقليل فرص التلاعب وتسرب الدعم، بالإضافة إلى تقليص الأعباء اللوجستية المرتبطة بالتخزين والنقل والتوزيع التي تفرضها منظومة الدعم العيني التقليدية.

دروس مستفادة من التجارب الدولية

استعرضت الحكومة المصرية تجارب دولية عديدة في تطبيق برامج الدعم النقدي، حيث تشير تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تباين النتائج بين النجاح في تقليل الفقر والتحديات المرتبطة بالتضخم. وتعد البرازيل نموذجاً رائداً عبر برنامج "بولسا فاميليا" الذي انطلق عام 2003، حيث نجح في خفض معدلات الفقر من خلال تقديم دعم نقدي مشروط بالتزام الأسر بإرسال الأطفال للمدارس وتلقي الرعاية الصحية.

وفي الأرجنتين، صُمم برنامج "Universal Child Allowance" عام 2009 لتقديم دعم للأسر محدودة الدخل مع ربط جزء منه بصحة وتعليم الأطفال. كما اعتمدت الفلبين برنامج "Pantawid Pamilyang Pilipino Program" الذي استهدف ملايين الأسر الفقيرة عبر تحويلات نقدية مشروطة، مما ساهم في رفع معدلات الالتحاق بالمدارس وتحسين الرعاية الصحية للأمهات والأطفال.

وعلى صعيد التحديات، تبرز التجربة الإيرانية التي بدأت عام 2010 باستبدال دعم الطاقة والخبز بتحويلات نقدية؛ حيث أدى التضخم المرتفع لاحقاً إلى تآكل القوة الشرائية للمبالغ النقدية، مما قلل من تأثيرها المعيشي. من جانب آخر، استخدمت الهند التكنولوجيا الرقمية وربطت التحويلات بالحسابات البنكية والهوية البيومترية للحد من الفساد والمستفيدين الوهميين، بينما نفذ الأردن تعويضات نقدية لتخفيف آثار إصلاح أسعار الطاقة.

التوازن بين الدعم النقدي والعيني

تؤكد تقارير مؤسسات التنمية الدولية أن الدعم السلعي التقليدي غالباً ما تستفيد منه فئات أعلى دخلاً بجانب محدودي الدخل، مما يقلل من كفاءته الاقتصادية. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن الاستغناء الكامل عن الدعم العيني قد يمثل مخاطرة في الدول التي تعاني من تقلبات تضخمية أو تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء.

وتلعب برامج الدعم الغذائي العيني أدواراً استراتيجية تتجاوز مجرد توفير الغذاء، مثل دعم المزارعين المحليين، وتكوين مخزون استراتيجي للسلع الأساسية، وحماية الأسواق من تقلبات الأسعار العالمية. ونتيجة لذلك، اتجهت العديد من الدول إلى تبني نموذج الدمج بين الدعم النقدي والدعم العيني، بدلاً من الاعتماد الكلي على نظام واحد، وذلك لضمان تحقيق التوازن بين الحماية الاجتماعية والأمن الغذائي الوطني.