الجنيه المصري: من الهلع إلى الاستقرار الحذر
شهد الجنيه المصري ضغوطاً حادة في الأسابيع الأولى للصراع، حيث فقد نحو 12% من قيمته أمام الدولار خلال ثلاثين يوماً فقط، متراجعاً من مستوى 48.82 جنيه للدولار ليصل إلى ذروة بلغت 55 جنيهاً. عكس هذا التحرك العنيف حالة من الهلع الشرائي في الأسواق، مدفوعة بسعي المستثمرين للتحوط السريع من المخاطر الجيوسياسية وزيادة الطلب على العملة الصعبة.
مع مرور 60 يوماً، بدأ الجنيه في استيعاب الصدمة تدريجياً، ليتراجع الدولار من قمته التاريخية إلى نحو 53 جنيهاً حالياً. ورغم هذا التحسن النسبي، فإن بقاء العملة عند مستويات أعلى بنحو 4 جنيهات مقارنة بفترة ما قبل الحرب يشير إلى انتقال الاقتصاد إلى واقع سعري جديد، ما تزال فيه الضغوط التضخمية قائمة. تشير بيانات التداول إلى استمرار ضيق الفجوة بين سعري الشراء والبيع، وهو ما يعكس توفر السيولة الدولارية داخل القنوات الرسمية، إلا أن تذبذب السعر حول مستوى 52 جنيهاً يظل مرهوناً بتطورات المشهد العسكري، حيث قد يؤدي أي تصعيد جديد إلى إعادة اختبار مستويات 55 جنيهاً.
أسواق الطاقة: الشرارة الأولى للأزمة
كانت أسواق الطاقة نقطة الانطلاق الحقيقية للأزمة الاقتصادية، فمع بداية الحرب بنهاية فبراير الماضي ومع أول يوم في مارس 2026 صعد سعر خام برنت إلى 75 دولاراً للبرميل، قبل أن يقفز خلال تسعة أيام فقط إلى 98.96 دولاراً، بزيادة تقارب 32%، في انعكاس مباشر لمخاوف تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. وخلال مرحلة الغليان بين منتصف مارس ومطلع أبريل 2026، استقر النفط فوق حاجز 100 دولار، مسجلاً ذروة بلغت 115.80 دولاراً في 30 مارس.
يُعد بقاء الأسعار فوق هذا المستوى لثلاثة أسابيع متتالية العامل الأهم وراء الضغط على العملات المحلية، وفي مقدمتها الجنيه، نتيجة تضخم فاتورة استيراد الوقود وزيادة الطلب على الدولار. ومع دخول أبريل الحالي، بدأت الأسعار في التراجع التدريجي نحو مستويات 90 دولاراً، قبل أن تعاود الصعود إلى 105.33 دولاراً بنهاية الشهر الحالي، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تتعايش مع الحرب، لكنها ما تزال تسعّر مخاطر مرتفعة تمنع العودة إلى مستويات ما قبل النزاع.
التضخم والغذاء: ترجمة فورية للصدمة
انعكست تطورات الحرب سريعاً على الأسعار المحلية، إذ سجل معدل التضخم العام قفزة شهرية بلغت 3.2% في مارس الماضي، مقارنة بـ1.6% في الشهر نفسه من العام السابق، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتمثل هذه الزيادة ترجمة مباشرة لارتفاع سعر الدولار، وانتقال تكلفة الاستيراد إلى الأسواق. وعلى أساس سنوي، ارتفع التضخم إلى 15.2% مقابل 13.4% في فبراير الماضي، بزيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية خلال شهر واحد، ما يعكس تسارعاً ملحوظاً في وتيرة ارتفاع الأسعار.
يكشف تحليل مكونات التضخم عن أن صدمة العرض كانت المحرك الرئيسي، إذ بلغ التضخم الأساسي 14%، ما يشير إلى امتداد موجة الغلاء إلى السلع والخدمات غير المتقلبة. في المقابل، سجلت السلع المحددة إدارياً ارتفاعاً شهرياً قدره 3.4%، وهو ما يعكس الأثر المباشر لارتفاع أسعار النفط، واضطرار الحكومة إلى تحريك أسعار الطاقة والخدمات المرتبطة بها. كان قطاع الغذاء الأكثر تأثراً بالصدمة، إذ سجلت أسعار الخضروات والفاكهة ارتفاعاً شهرياً حاداً بلغ 16.8% في مارس الماضي، مقارنة بـ2.6% فقط في فبراير 2026.
شهدت أسعار السولار والديزل ارتفاعاً، حيث زاد سعر اللتر من 17.5 جنيه في أكتوبر 2025 إلى 20.5 جنيه في مارس 2026، بزيادة قدرها 3 جنيهات. كما ارتفعت أسعار البنزين بأنواعه في مارس 2026، حيث صعد بنزين 80 إلى 20.75 جنيه، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 24 جنيهاً.
الذهب: ملاذ آمن تحت الضغط
تراجع سعر الذهب خلال مارس الماضي من مستوى 5,311 دولار للأوقية إلى 4,392 دولار في 26 مارس الماضي، نتيجة اتجاه المستثمرين لتسييل الذهب لتوفير السيولة الدولارية. ومع بداية أبريل الحالي، بدأ المعدن النفيس في التعافي تدريجياً ليقترب من مستويات 4,800 دولار للأوقية، مدفوعاً بعودة الطلب التحوطي. إلا أنه أغلق في 28 أبريل عند 4,584 دولاراً للأوقية، ليظل منخفضاً بنحو 13.6% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
