حقيقة الاستثمار العقاري في مصر
أكد الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بكلية التجارة بجامعة القاهرة، أن المشهد الحالي في السوق العقاري المصري لا يتوافق مع المعايير الاقتصادية للاستثمار الحقيقي. وأوضح الصادي خلال استضافته ببرنامج "صد رد" أن هناك أطرافاً في السوق تدفع المواطنين للاعتقاد بأنهم يقومون باستثمار أموالهم، بينما الواقع الاقتصادي يختلف تماماً عن ذلك.
وأشار إلى أن الدافع الرئيسي للمواطنين لدخول هذا السوق هو محاولة الحفاظ على قيمة مدخراتهم، إلا أنهم في حقيقة الأمر لا يحققون العوائد الاقتصادية المرجوة من الاستثمارات السليمة. وشدد على أن الاستثمار الفعلي يجب أن يرتكز على مسارين أساسيين: إما تحقيق أرباح رأسمالية من خلال إعادة بيع الأصل، أو توليد دخل دوري ومستمر عبر تأجيره.
أزمة السوق الثانوية وعوائد الإيجار
وصف الصادي سوق إعادة البيع في مصر، المعروف بالسوق الثانوية، بأنه "سوق ميت"، حيث يواجه الأفراد صعوبة بالغة في تحقيق أرباح رأسمالية حقيقية من بيع عقاراتهم إلا في حالات نادرة جداً. وفيما يخص المسار الثاني للاستثمار، وهو التأجير، لفت إلى تفاوت كبير في العوائد؛ إذ يمكن لبعض المناطق الساحلية مثل الساحل الشمالي تحقيق إيرادات إيجارية مرتفعة خلال موسم سياحي قصير، تعادل في قيمتها عائد عامين كاملين في مناطق ذات كثافة سكانية عالية كالقاهرة والجيزة والإسكندرية.
وانتقد الصادي الأرقام الضخمة التي يعلنها بعض المطورين العقاريين حول مبيعات بمليارات الجنيهات يومياً، معتبراً أنها لا تعبر عن تدفقات نقدية فعلية، بل تستند إلى نظم تقسيط طويلة الأجل. وأوضح أن المطورين يكتفون بمقدمات تعاقد قد لا تتجاوز 5% من قيمة الوحدة، بينما يمتد التقسيط لفترات تصل إلى 12 عاماً، مما يجعل الأرقام المعلنة بعيدة عن الواقع النقدي الفعلي.
فائض الوحدات السكنية وتكلفة الفرصة البديلة
استند الخبير الاقتصادي إلى بيانات رسمية تؤكد أن السوق المصري يعاني من فائض عقاري وليس نقصاً في الوحدات، كما يشاع. وأوضح أن إجمالي عدد الوحدات السكنية في مصر يتراوح بين 41 و45 مليون وحدة، بينما يقدر عدد الأسر بنحو 21 مليون أسرة فقط، بناءً على عدد السكان الذي يتراوح بين 100 و110 ملايين نسمة، مما يعني وجود ملايين الوحدات غير المشغولة، وقد يصل عدد الوحدات المغلقة إلى نحو 20 مليون وحدة.
وسخر الصادي من المقولة الشائعة "العقار لا يأكل ولا يشرب"، مشيراً إلى مفهوم "تكلفة الفرصة البديلة" في علم الاقتصاد. وأوضح أن شراء عقار بقيمة مليوني جنيه دون استغلاله في التأجير أو إعادة البيع يعني ضياع العائد الذي كان يمكن تحقيقه من استثمار هذا المبلغ في أدوات مالية أخرى، مثل الودائع البنكية ذات العائد السنوي المرتفع. وأكد أن تجاهل هذه التكلفة يجعل الكثير من الاستثمارات العقارية غير مجدية اقتصادياً، مشدداً على أن الأسواق المتوازنة عالمياً تربط بين سعر الشراء وقيمة الإيجار، وهو ما يفتقده السوق المصري حالياً.
التسعير بين الكاش والتقسيط
كما تطرق الصادي إلى الفوارق الجوهرية في تسعير العقارات بين البيع النقدي والبيع بالتقسيط، مشيراً إلى أن المطورين غالباً ما يقدمون خصومات كبيرة عند الدفع النقدي. وأوضح أن هذا الفارق يكشف بوضوح الفرق بين القيمة الفعلية للعقار وسعره عند البيع بنظام التقسيط طويل الأجل، مما يعكس طبيعة التسعير في السوق المحلي. واختتم بالتأكيد على أن غياب القدرة على تحقيق عائد دوري أو ربح رأسمالي يجعل الحديث عن الاستثمار العقاري في ظل هذه الظروف تصوراً غير دقيق، مشيراً إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب.
