أسعار النفط تتجاوز 119 دولارًا وسط أزمة طاقة عالمية وتداعيات على الموازنات

أسعار النفط تتجاوز 119 دولارًا وسط أزمة طاقة عالمية وتداعيات على الموازنات

أدخلت الحرب في الشرق الأوسط، لا سيما مع استهداف البنية التحتية للطاقة وإغلاق مضيق هرمز، الاقتصاد العالمي في واحدة من أشد أزمات الطاقة خلال العقود الأخيرة. قفزت أسعار النفط إلى نحو 119 دولارًا للبرميل، قبل أن تتراجع لتتراوح بين 90 و100 دولار، فيما تعطل نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال خلال النصف الأول من عام 2026.

هذه التطورات انعكست مباشرة على موازنات الدول، مما دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية. تنوعت هذه الإجراءات بين التقشف الصارم، وتقديم الدعم المباشر، والسحب من الاحتياطيات، في محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية والاجتماعية.

تكشف استجابات الدول عن تحول عميق في إدارة الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الطاقة عاملًا حاسمًا في رسم السياسات المالية والنقدية، مما يشير إلى مرحلة طويلة من إعادة التوازن ستظل فيها أسواق الطاقة في قلب المشهد الاقتصادي العالمي.

استجابات دولية متنوعة لمواجهة أزمة الطاقة

السنغال: تقشف حاد تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط

واجهت السنغال فجوة تمويلية متزايدة مع ارتفاع أسعار النفط، خاصة أن موازنتها مبنية على سعر أقل بكثير يبلغ نحو 62 دولارًا للبرميل. أعلن رئيس الوزراء عثمان سونكو حزمة إجراءات تقشفية، شملت حظر سفر الوزراء إلى الخارج إلا في المهام العاجلة، وإلغاء البعثات الرسمية غير الضرورية، لخفض الإنفاق الحكومي.

تعكس هذه القرارات توجهًا أوسع لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، في ظل صعوبات متزايدة في تمويل الدعم والحفاظ على مستوى معيشة المواطنين مع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود عالميًا.

باكستان: مزيج من التضامن والدعم المالي

اتبعت باكستان نهجًا مزدوجًا يجمع بين الإجراءات الرمزية والدعم الاقتصادي المباشر. تنازل أعضاء الحكومة عن رواتبهم لمدة 6 أشهر، في خطوة تهدف إلى إظهار التضامن مع المواطنين.

عمليًا، أطلقت الحكومة حزمة دعم واسعة، تضمنت خفض سعر البنزين بنحو 80 روبية للتر ليصل إلى 378 روبية بدلًا من 458، إلى جانب تقديم دعم مباشر لقطاع النقل. شملت الحزمة منحًا مالية لسائقي الدراجات النارية ومركبات الشحن والنقل العام، فضلًا عن دعم شهري يتراوح بين 70 ألف و100 ألف روبية لوسائل النقل المختلفة، للحد من تأثير ارتفاع الوقود على أسعار السلع والخدمات.

تركيا: تسييل الذهب والعملة لدعم السيولة

تعرضت تركيا لضغوط مالية قوية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، مما دفع البنك المركزي إلى بيع نحو 58 طنًا من الذهب خلال أسبوعين، بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار. انخفضت الاحتياطيات إلى نحو 513 طنًا، أدنى مستوى في 7 سنوات.

استخدمت هذه الكميات في عمليات مقايضة للحصول على الدولار، أو بيعت في السوق المفتوحة لدعم العملة وتمويل الواردات. كما باع البنك المركزي نحو 26 مليار دولار من العملات الأجنبية خلال ثلاثة أسابيع، مما أدى لانخفاض صافي الاحتياطيات إلى نحو 43.4 مليار دولار.

الأردن: ترشيد صارم لاستهلاك الطاقة

اختارت الحكومة الأردنية تقليل الاستهلاك كوسيلة رئيسية لمواجهة الأزمة، عبر حزمة إجراءات تهدف إلى خفض الطلب على الطاقة. شملت هذه الإجراءات حظر استخدام أجهزة التكييف والتدفئة في المؤسسات الحكومية، وتقييد استخدام المركبات الرسمية، وتعليق رحلات الوفود الحكومية.

تعكس هذه السياسة محاولة مباشرة لتقليل فاتورة الطاقة في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار، والحفاظ على الموارد المالية للدولة.

روسيا: حماية السوق المحلية والاستفادة من الأسعار

تدرس روسيا فرض حظر على تصدير البنزين حتى نهاية يوليو، لتأمين احتياجات السوق المحلية ومنع ارتفاع الأسعار داخليًا. تستفيد موسكو من ارتفاع أسعار النفط عالميًا، مما يعزز إيراداتها من الصادرات.

الولايات المتحدة: ضغوط تضخمية وتراجع ثقة المستهلك

ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.98 دولارات للجالون. تزامن ذلك مع تراجع ثقة المستهلكين وهبوط في الأسواق المالية، ما يعكس تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على النشاط الاقتصادي والإنفاق الاستهلاكي.

فرنسا وإسبانيا وإيطاليا: دعم ضريبي وجهود تأمين الإمدادات

اضطرت فرنسا إلى تقليص برامج الدعم بسبب الضغوط على الموازنة. ركزت الحكومة على دعم محدود وموجه للقطاعات الأكثر تضررًا. اعتمدت إسبانيا على تخفيف العبء الضريبي، حيث أقرت تخفيضات بقيمة 5 مليارات يورو شملت خفض الضرائب على الطاقة. اتخذت إيطاليا مسارين متوازيين: خفض ضرائب الوقود مؤقتًا، والعمل على تأمين إمدادات إضافية من الغاز، خاصة من الجزائر.

بولندا واليابان: تدخل مباشر وتغيير مصادر الطاقة

فرضت بولندا سقفًا لأسعار الوقود، إلى جانب خفض الضرائب، لحماية المستهلكين. لجأت اليابان، في ظل نقص إمدادات الغاز، إلى زيادة الاعتماد على الفحم كبديل مؤقت لضمان استقرار إمدادات الطاقة.

الفلبين: إعلان الطوارئ لمواجهة الأزمة

أعلنت الفلبين حالة الطوارئ الوطنية بسبب أزمة الطاقة، وأطلقت الحكومة حزمة إجراءات تضمنت دعم الوقود، وخفض تكاليف النقل، واتخاذ تدابير للحد من الممارسات غير العادلة في السوق، بهدف حماية المستهلكين والسيطرة على الأسعار.