تحويلات المصريين بالخارج.. صمام أمان يعزز استقرار النقد الأجنبي

تحويلات المصريين بالخارج.. صمام أمان يعزز استقرار النقد الأجنبي

نمو قياسي في تدفقات التحويلات الرسمية

برزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج كأحد أهم ركائز السيولة الدولارية في الاقتصاد المصري، حيث أصبحت تمثل صمام أمان رئيسياً في مواجهة الضغوط على موارد النقد الأجنبي. ووفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، سجلت هذه التحويلات تدفقات بلغت 39.2 مليار دولار خلال أول 10 أشهر من العام المالي الجاري 2025-2026، مما يعكس تحولاً جذرياً في مسار التدفقات نحو القنوات المصرفية الرسمية.

وتشير الأرقام الصادرة عن البنك المركزي إلى أن التحويلات حققت ارتفاعاً بنسبة 40.5% لتصل إلى 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بـ 29.6 مليار دولار في عام 2024. وقد سجلت التحويلات قفزة بنسبة 66.7% لتصل إلى 36.5 مليار دولار في العام المالي 2024-2025، وهو أعلى مستوى تاريخي مسجل، وذلك بعد أن كانت قد تراجعت إلى 21.9 مليار دولار في 2023-2024، و22.1 مليار دولار في 2022-2023، و31.9 مليار دولار في 2021-2022.

ويحتل الاقتصاد المصري المركز السابع عالمياً في قائمة الدول الأكثر استقبالاً لتحويلات العاملين بالخارج خلال عام 2024، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ويأتي هذا النمو في وقت بلغت فيه فاتورة الواردات نحو 83 مليار دولار في عام 2025، بينما وصل الدين الخارجي إلى 164 مليار دولار بنهاية النصف الأول من العام المالي الحالي.

أسباب التحول نحو القنوات الرسمية

يعزو الخبراء الاقتصاديون هذه القفزة في التدفقات إلى تحرير سعر الصرف في مارس 2024، والذي ساهم في تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. وأوضح الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن استقرار سعر الدولار أدى إلى استعادة الثقة في النظام المصرفي، مما أزال دوافع المضاربة أو التحويل عبر قنوات غير رسمية.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة يمثل إعادة توطين لأموال كانت تمر سابقاً عبر السوق الموازية للاستفادة من فروق الأسعار، وليس بالضرورة تدفقات جديدة بالكامل. وتؤكد الدكتورة رانيا المارية، خبيرة الاقتصاد المجتمعي، أن القضاء على السوق السوداء أعاد التدفقات إلى المسار الرسمي، مما يعزز قدرة الدولة على مواجهة الضغوط التمويلية الخارجية وتوفير السيولة اللازمة للاستيراد وسداد الالتزامات.

التحديات المستقبلية واستدامة الموارد

تظل التحويلات مرتبطة بأسواق العمل الخارجية، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من هذه التدفقات تأتي من دول الخليج، بينما تأتي 20% من أوروبا، والباقي من الولايات المتحدة وكندا ودول أخرى. وحذر السفير حسين هريدي من أن سياسات توطين الوظائف في بعض دول الخليج قد تفرض ضغوطاً مستقبلية على العمالة المصرية، مما يتطلب استراتيجيات لضمان استدامة هذه الموارد.

وفيما يخص المقارنة مع الموارد الأخرى، بلغت إيرادات قناة السويس نحو 1.97 مليار دولار خلال أول 5 أشهر من العام المالي 2025-2026، مع توقعات ألا تتجاوز 4 مليارات دولار بنهاية العام. وأكد الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، أن التحويلات باتت المصدر الأكثر استقراراً للنقد الأجنبي، رغم أن قناة السويس تظل أصلاً استراتيجياً وسيادياً للدولة.

وتسعى الدولة حالياً عبر مبادرات مثل "بيتك في مصر" و"مزرعتك في مصر" و"افتح حسابك في مصر" إلى تحويل هذه التدفقات من طابعها الاستهلاكي إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأجل. ويشدد هاني أبو الفتوح على أن التحدي القادم يكمن في ابتكار أدوات ادخارية واستثمارية أكثر جاذبية للمصريين في الخارج لضمان استمرارية هذه التدفقات كخط دفاع أساسي للاقتصاد.