شركات ناشئة مصرية: التوسع الخارجي بين الفرص والتحديات التنظيمية

شركات ناشئة مصرية: التوسع الخارجي بين الفرص والتحديات التنظيمية

تحديات بيئة الأعمال المحلية تدفع نحو التوسع الخارجي

تكشف تجارب مؤسسي الشركات الناشئة المصرية عن معادلة معقدة بين الاستفادة من الفرص المتاحة في الأسواق الخارجية، ومواجهة الصعوبات التنظيمية والإجرائية داخل مصر. فبينما توفر الأسواق الدولية فرصاً أكبر لجذب الاستثمارات، وتسهيل الحصول على جولات تمويلية، والوصول إلى عملاء ذوي قدرة شرائية مرتفعة، تواجه الشركات العاملة في مصر تحديات تتعلق بتعدد الجهات التنظيمية، وبطء بعض الإجراءات، وصعوبة الحصول على التراخيص في قطاعات معينة.

يؤكد رواد الأعمال أن التوسع الخارجي لا يعني بالضرورة نزيفاً للشركات المصرية، إذ غالباً ما تحتفظ هذه الكيانات بمراكز تشغيلها وكوادرها الفنية الأساسية داخل البلاد، بينما تسعى فقط للقرب من المستثمرين والأسواق المستهدفة. ويرى البعض أن وضوح الإجراءات، وسهولة تأسيس الشركات، وانخفاض الأعباء الضريبية، وتوافر التمويل في الأسواق الإقليمية، يدفع الشركات المصرية إلى تأسيس كيانات قانونية أو فروع خارجية.

عوامل الجذب في الأسواق الإقليمية وتكاليف التشغيل بمصر

يشير المهندس أيمن بازرعة، الرئيس التنفيذي لشركة سبرينتس للتعليم من أجل التوظيف، إلى أن التوسع في أسواق مثل السعودية والإمارات يعكس سعي الشركات للاستفادة من بيئات أعمال تتسم بالوضوح والسرعة في الإجراءات. ويضرب مثالاً بسهولة تأسيس الشركات والحصول على التراخيص في تلك الأسواق، حيث يتعامل المستثمر مع جهة واحدة وإطار زمني محدد، على عكس ما يحدث في مصر أحياناً، حيث تتطلب الموافقات التعامل مع جهات متعددة، مما يطيل دورة اتخاذ القرار ويزيد الأعباء البيروقراطية.

تعد السياسات الضريبية عاملاً مؤثراً أيضاً، حيث لا تتجاوز ضريبة الشركات في الإمارات 9%، بينما قد تتحمل الشركات في مصر أعباء إضافية مرتبطة بالتأمينات الاجتماعية وضريبة كسب العمل، مما قد يرفع تكلفة التوظيف بنسبة تصل إلى 30% أو أكثر. وعلى الرغم من هذه التحديات، يؤكد بازرعة أن السوق المصرية لا تزال تمتلك مقومات جذب قوية، أبرزها حجم السوق المحلي الكبير، وتوافر الكفاءات الشابة، وانخفاض تكلفة التوظيف مقارنة بالعديد من الأسواق الإقليمية، مما يجعلها نقطة انطلاق طبيعية للشركات الناشئة.

الأسواق الخليجية كفرصة لزيادة العائدات

من جانبه، يرى المهندس علاء إدريس، الرئيس التنفيذي لشركة تربو سيلوشن لحلول الأعمال البرمجية، أن السبب الرئيسي وراء توجه بعض الشركات نحو الأسواق الخليجية لا يرتبط بضعف السوق المصرية، بل بارتفاع العائدات هناك. ويوضح أن برنامجاً يُباع في مصر بنحو 100 ألف جنيه، يمكن أن يُباع في السعودية بما يصل إلى 500 ألف جنيه، أي ما يعادل خمسة أضعاف قيمته تقريباً.

وأشار إدريس إلى أن شركته أجرت تجربة للتوسع المباشر في السعودية والإمارات قبل عامين، لكنها فضلت لاحقاً الاعتماد على إدارة عملياتها الخارجية من مصر. تمتلك الشركة حالياً عملاء في السعودية والإمارات وسلطنة عمان والعراق، دون الحاجة إلى إنشاء فروع تشغيلية كاملة في تلك الدول. يطالب إدريس بعودة برامج الدعم المؤسسي والترويج الخارجي للشركات التكنولوجية، مشيراً إلى فجوة التنسيق بين الجهات الحكومية والشركات العاملة في القطاع، وأن الشركات تحتاج إلى برامج أكثر ارتباطاً باحتياجاتها الفعلية في التمويل والتسويق والتدريب.

القوانين والإجراءات: تحديات تواجه الشركات الناشئة

يصرح المهندس محمد زغلول، مدير وشريك مؤسس بشركة بايونيرز سليوشنز للحلول البرمجية المتكاملة، بأن القوانين المنظمة لعمل الشركات في مصر ليست المشكلة الأساسية، بل يكمن التحدي الحقيقي في تضارب بعض التشريعات وصعوبة الإجراءات التنفيذية. يذكر أن شركات ناشئة مرّ على تأسيسها أكثر من عامين وما زالت تنتظر استكمال إجراءات استخراج السجل التجاري، خاصة تلك التي تحتاج إلى موافقات أمنية قد تؤخر صدور السجل التجاري لمدة تتراوح بين 6 أشهر وسنة ونصف.

تمتد أزمة السوق المصرية إلى ضعف تطبيق القوانين على جميع المتعاملين، حيث طبقت الدولة منظومة الفاتورة والإيصال الإلكتروني بصرامة على الشركات الكبرى منذ 2020، بينما لا تزال قطاعات واسعة من السوق خارج المنظومة دون رقابة مماثلة. يتفق أيمن بازرعة مع هذا الطرح، ويرى أن أحد أكبر التحديات هو الإطار القانوني المنظم للاستثمار الجريء، حيث يشترط العديد من المستثمرين تأسيس الشركات في بلدان أجنبية قبل ضخ التمويل، بسبب مخاوف مرتبطة ببطء إجراءات التقاضي وعدم وجود تنظيم قانوني واضح لبعض أدوات الاستثمار الحديثة وآليات التخارج.

الاقتصاد غير الرسمي وميزة الشركات غير الملتزمة

يشير محمد زغلول إلى أن أكثر من 50% من السوق المصرية لا تزال تعمل ضمن الاقتصاد غير الرسمي، مما يخلق فجوة كبيرة في المنافسة بين الشركات الملتزمة وغير الملتزمة. فالشركات التي تتحمل ضريبة الدخل والقيمة المضافة والأرباح والتأمينات، تواجه منافسة غير متكافئة مع شركات أخرى تمارس النشاط نفسه دون تحمل هذه الأعباء. تمنح هذه الأوضاع الشركات غير الرسمية ميزة سعرية كبيرة، مما يضطر الشركات الملتزمة لبيع المنتج بسعر مضاعف تقريباً مقارنة بمنافس يعمل خارج المنظومة الضريبية.

هذا الوضع يعيق نمو الشركات المحلية ويحرمها من فرص مهمة، خاصة وأن القانون ينص على تخصيص ما لا يقل عن 40% من المشتريات الحكومية لصالح المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن التطبيق لا يزال متفاوتًا بين الجهات المختلفة. وعلى الرغم من هذه التحديات، يظل الإطار القانوني المصري مناسباً لجذب الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، بفضل انخفاض تكلفة التشغيل وتوافر قاعدة كبيرة من الكفاءات البشرية، مما يجعل مصر نقطة انطلاق مناسبة للشركات الراغبة في النمو وجذب الاستثمارات.