أشار خبراء اقتصاديون إلى أن خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الجديد، كيفن وارش، الذي لمح إلى احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال الربع الثالث من العام الحالي، سيحد من المكاسب المتوقعة للمعدن الأصفر في الفترة المقبلة.
وأوضح الخبراء أن تمسك الفيدرالي بإعادة التضخم إلى مستهدفه عند 2% يعزز احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول. هذا التوجه يدعم قوة الدولار الأمريكي، مما يضغط على أسعار الذهب ويحد من ارتفاعاته.
تأثير تشديد السياسة النقدية على الذهب
توجد علاقة عكسية واضحة بين الذهب والدولار. فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تتعزز قوة العملة الأمريكية، مما يؤدي عادةً إلى تراجع أسعار الذهب. هذا التوازن بين المتغيرات الاقتصادية المتشابكة يجعل أسعار المعدن الأصفر رهينة لتطورات متعددة.
في أول اجتماع له، أكد رئيس الفيدرالي الأمريكي الجديد، كيفن وارش، التزامه الراسخ بإعادة معدل التضخم إلى المستوى المستهدف وهو 2%. يهدف هذا الإجراء إلى خفض الأسعار التي تثقل كاهل الأسر الأمريكية.
وكان الفيدرالي قد قرر الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الرابعة على التوالي، عند نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، بما يتماشى مع توقعات الأسواق.
توقعات متعارضة لأسعار الذهب
في بداية عام 2026، سادت توقعات واسعة من قبل البنوك والمؤسسات المالية العالمية بأن الذهب سيواصل تسجيل مستويات تاريخية. كانت هذه التوقعات مدعومة بآمال خفض أسعار الفائدة الأمريكية، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
وتوقعت مؤسسات مالية عالمية تجاوز سعر الذهب لحاجز 6000 دولار للأوقية خلال عام 2026. رجح بنك جي بي مورجان وصول المعدن الأصفر إلى أكثر من 6300 دولار للأوقية بنهاية العام، بينما توقع بنك أوف أمريكا بلوغ مستوى 6000 دولار.
في المقابل، حذرت مؤسسة سيتي جروب الأمريكية من ارتفاع مخاطر الاستثمار في الذهب على المدى القصير. خفضت المؤسسة توقعاتها لسعر الأوقية إلى 4000 دولار خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، مقارنة بتوقعاتها السابقة البالغة 4300 دولار.
وأشارت سيتي جروب إلى سيناريو أكثر تشاؤمًا قد يدفع الذهب إلى نحو 3500 دولار للأوقية بحلول سبتمبر المقبل، إذا استمرت الضغوط على الأسواق وارتفع الدولار بالتزامن مع توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية.
رئيس الفيدرالي الجديد يؤكد أولوياته
قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن أول ظهور لرئيس الفيدرالي الأمريكي الجديد حمل رسائل تعكس تغييرًا واضحًا في أسلوب إدارة السياسة النقدية. وأوضح أن الأسواق لم تركز على قرار تثبيت الفائدة بقدر اهتمامها بمضمون خطاب رئيس البنك المركزي واتجاهاته المستقبلية.
وأضاف معطي أن وارش بعث برسالة واضحة مفادها أن أولويته الأساسية هي إعادة التضخم إلى مستوى 2%، وهو ما يعكس تبني نهج أكثر تشددًا ويقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال الفترة القريبة.
وأوضح معطي أن هذه الرسائل تدعم قوة الدولار الأمريكي خلال الفترة المقبلة، في الوقت الذي تمثل فيه عامل ضغط على أسعار الذهب، باعتبار أن ارتفاع العائد على الأصول الدولارية يقلل من جاذبية المعدن الأصفر الذي لا يحقق عائدًا.
وأشار إلى أن البيان الصادر عقب الاجتماع جاء أكثر اختصارًا من المعتاد، بما يعكس توجهًا لتغيير أسلوب التواصل مع الأسواق. كما أعلن وارش إعادة تنظيم عمل أعضاء الفيدرالي إلى مجموعات متخصصة في التضخم والنمو وسوق العمل، إضافة إلى فريق معني بمتابعة الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الإنتاجية والنمو الاقتصادي.
وأوضح معطي أن رئيس الفيدرالي ألمح كذلك إلى إمكانية إلغاء "المخطط النقطي" الخاص بتوقعات أسعار الفائدة مستقبلًا، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الاقتصادية الفعلية بدلًا من التوجيهات المستقبلية.
وأضاف أن حذف الإشارة إلى احتمالات خفض الفائدة من البيان الأخير، إلى جانب تصريحات وارش بشأن عدم مناقشة خفض الفائدة بصورة موسعة، يعزز توقعات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
الذهب والبيانات الاقتصادية
قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن خطاب رئيس الفيدرالي الجديد حمل قدرًا كبيرًا من الحياد. تعمد وارش عدم إرسال إشارات واضحة للأسواق بشأن الاتجاه المقبل للسياسة النقدية، سواء نحو التشديد أو التيسير. وهذا يجعل حركة الذهب مرتبطة بالبيانات الاقتصادية المقبلة أكثر من ارتباطها بالتصريحات الحالية.
وأشار إلى أن أدوات التشديد النقدي لا تقتصر على رفع أسعار الفائدة فقط. يمتلك الفيدرالي أداة أخرى تتمثل في خفض ميزانيته العمومية عبر بيع جزء من حيازاته الضخمة من السندات الأمريكية، التي تقترب قيمتها من 6.9 تريليون دولار. هذا الإجراء يسحب السيولة من الأسواق ويرفع عوائد السندات، بما ينعكس سلبًا على أسعار الذهب حتى في حال تثبيت أسعار الفائدة.
وأوضح أن وارش تجنب تقديم توجيهات مباشرة بشأن مستقبل أسعار الفائدة، مؤكدًا أن القرارات المقبلة ستظل مرتبطة بتطورات التضخم والنمو الاقتصادي والبيانات المستجدة، وليس بتوقعات مسبقة.
وأضاف أنيس أن هذا الموقف يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على نهج محايد، خاصة في ظل استمرار المتغيرات المؤثرة على التضخم الأمريكي، سواء المرتبطة بالرسوم الجمركية أو بتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة خلال الحرب، وهي عوامل بدأت تتغير مع انحسار التوترات الأخيرة.
