يشهد سوق النفط العالمي تحولاً جذرياً وغير متوقع خلال عام 2026، حيث انتقل من توقعات بفائض مريح في المعروض إلى أزمة نقص حادة قد تعيد رسم ملامح قطاع الطاقة العالمي. لم تعد التحديات مؤقتة، بل تتجه نحو اضطراب ممتد.
اضطراب غير مسبوق في إمدادات النفط
وصفت وكالة الطاقة الدولية (IEA) الوضع الحالي بأنه "أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ"، مع فقدان ملايين البراميل يومياً من الأسواق. هذا التحول السريع من فائض إلى عجز يعكس تغيرًا نوعيًا في طبيعة الأزمة.
فقد تراجعت الإمدادات العالمية بأكثر من 10 ملايين برميل يوميًا خلال شهر مارس وحده، نتيجة لتعطل الإنتاج وفشل الجهود الدبلوماسية. وتشير تقديرات رويترز وبنك ANZ إلى أن السوق انتقل فعليًا من "فائض مريح" إلى "عجز في المعروض".
تأثير إغلاق مضيق هرمز
يُعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة. أدى ذلك إلى تراجع تدفقات النفط من حوالي 20 مليون برميل يوميًا في فبراير إلى نحو 3.8 مليون برميل فقط مطلع أبريل، وفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية.
كما تسبب إغلاق المضيق في توقف نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وتعطيل إمدادات الغاز الطبيعي المسال، مما أحدث نقصًا فعليًا في الوقود ظهر في الأسواق الآسيوية، بحسب تحليلات شبكة CNN نقلاً عن صندوق النقد الدولي.
ارتفاع الأسعار وتراجع المخزونات
تعكس تحركات الأسعار سلوكًا دفاعيًا، حيث ارتفع خام برنت من حوالي 70 دولارًا قبل اندلاع الأزمة إلى ما بين 100 و120 دولارًا، مدفوعًا بمخاوف نقص المعروض. رفعت المؤسسات المالية توقعاتها لأسعار النفط خلال 2026 بنسبة تصل إلى 30%، في واحدة من أكبر القفزات المسجلة.
بالتزامن مع ذلك، تراجعت المخزونات العالمية بنحو 85 مليون برميل خلال شهر مارس، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، مما يقلل قدرة السوق على امتصاص صدمات إضافية.
انخفاض حاد في إنتاج كبار المنتجين
سجلت دول "أوبك بلس" انخفاضًا حادًا في الإنتاج بنحو 9.4 مليون برميل يوميًا خلال مارس، مع تضرر واضح لكبار المنتجين. انخفض إنتاج العراق من 4.57 إلى 1.57 مليون برميل يوميًا، والسعودية من 10.4 إلى 7.25 مليون برميل، إلى جانب انخفاضات كبيرة في الكويت والإمارات.
تحذر وكالة الطاقة الدولية من أن غياب تسوية سياسية قد يدفع السوق إلى سيناريو "صراع مطول"، مع توقعات باضطرابات أكثر حدة خلال النصف الثاني من العام. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن تداعيات الأزمة قد تمتد حتى عام 2027، مع احتمالات ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة تتراوح بين 100% و200% في حال استمرار التصعيد.
نقص المعروض الفعلي وخسائر إنتاجية دائمة
يرى الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن السوق دخل مرحلة نقص المعروض الفعلي، مع اقتراب فجوة العجز من نحو 28 مليون برميل يوميًا، مما أبقى الأسعار فوق 100 دولار للبرميل.
تشير تقديرات بنك ANZ إلى احتمال فقدان ما بين مليون إلى مليوني برميل يوميًا من القدرة الإنتاجية بشكل دائم، حتى بعد انتهاء الأزمة، مما يعني أن السوق سيظل أكثر ضيقًا وتقلبًا على المدى الطويل. كما تواجه عودة التدفقات تحديات إضافية تشمل ارتفاع تكاليف التأمين ومخاطر العقوبات.
تأثيرات اقتصادية عالمية
يؤكد صندوق النقد الدولي أن العالم سيعاني من نقص في النفط خلال 2026 حتى في حال انتهاء الحرب سريعًا، مما يعكس أن الأزمة تجاوزت كونها صدمة مؤقتة. يحذر الصندوق من أن استمرار نقص المعروض قد يدفع النمو الاقتصادي العالمي إلى أقل من 2%، مما يمثل خطرًا حقيقيًا لحدوث ركود عالمي.
تتفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي على أن ما يشهده سوق النفط حاليًا ليس أزمة عابرة، بل تحول هيكلي قد تمتد آثاره لسنوات. أصبح السوق رهينة لتفاعلات معقدة بين الجغرافيا السياسية، وسلاسل التوريد، والمخاطر الأمنية، وقد يصبح نقص المعروض سمة محتملة في أسواق الطاقة العالمية.
